عثمان بن جني ( ابن جني )
389
الخصائص
فرواه ابن الأعرابىّ : والأمس ، والأمس جرّا ونصبا . فمن جرّه فعلى الباب فيه ، وجعل اللام مع الجرّ زائدة ، حتى كأنه قال : وإني وقفت اليوم وأمس ، كما أن اللام في قوله تعالى : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ [ البقرة : 71 ] زائدة ، واللام المعرّفة له مرادة فيه ، وهو نائب عنها ، ومتضمّن لها ، فلذلك كسر فقال : والأمس ، فهذه اللام فيه زائدة والمعرّفة له مرادة فيه ومحذوفة منه . يدلّ على ذلك بناؤه على الكسر وهو في موضع نصب ، كما يكون مبنيّا إذا لم تظهر إلى لفظه . وأمّا من قال : والأمس فنصب فإنه لم يضمّنه معنى اللام فيبنيه ، ولكنه عرّفه بها كما عرّف اليوم بها ، فليست هذه اللام في قول من قال : والأمس فنصب هي تلك اللام التي ( هي في قول من قال ) والأمس فجرّ . تلك لا تظهر أبدا ؛ لأنها في تلك اللغة لم تستعمل مظهرة ؛ ألا ترى أن من ينصب غير من يجرّ ، فلكل منهما لغته ، وقياسها على ما نطق به منها ، لا تداخل أختها ، ولا نسبة في ذلك بينها وبينها ، كما أن اللام في قولهم ( الآن حدّ الزمانين ) غير اللام في قوله سبحانه : قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ لأن الآن من قولهم ( الآن حدّ الزمانين ) بمنزلة " الرجل أفضل من المرأة ، والملك أفضل من الإنسان " أي هذا الجنس أفضل من هذا الجنس ، فكذلك ( الآن ) إذا رفعه جعله جنس هذا المستعمل في قولك " كنت الآن عنده ، وسمعت الآن كلامه " فمعنى هذا : كنت في هذا الوقت الحاضر بعضه وقد تصرّمت أجزاء منه . فهذا معنى غير المعنى في قولهم الآن حدّ الزمانين ، فاعرفه . ونظير ذلك أن الرجل من نحو قولهم : نعم الرجل زيد غير الرجل المضمر في ( نعم ) إذا قلت : نعم رجلا زيد ؛ لأن المضمر على شريطة التفسير لا يظهر ، ولا يستعمل ملفوظا به ، ولذلك قال سيبويه : هذا باب ما لا يعمل في المعروف إلا مضمرا ، أي إذا فسّر بالنكرة في نحو نعم رجلا زيد ، فإنه لا يظهر أبدا . وإذا كان كذلك علمت زيادة الزاد في قول جرير : تزوّد مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزاد زاد أبيك زادا " 1 "
--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لجرير في خزانة الأدب 9 / 394 - 399 ، والدرر 5 / 210 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 109 ، وشرح شواهد المغنى ص 57 ، وشرح المفصل 7 / 132 ، ولسان