عثمان بن جني ( ابن جني )
390
الخصائص
وذلك أن فاعل ( نعم ) مظهر فلا حاجة به إلى أن يفسّر ، فهذا يسقط اعتراض محمد بن يزيد عن صاحب الكتاب في هذا الموضع . واعلم أن الشاعر إذا اضطرّ جاز له أن ينطق بما يبيحه القياس ، وإن لم يرد به سماع . ألا ترى إلى قول أبى الأسود : ليت شعري عن خليلي ما الذي * غاله في الحبّ حتى ودعه " 1 " وعلى ذلك قراءة بعضهم " ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى " [ الضحى : 3 ] بالتخفيف أي ما تركك . دلّ عليه قوله ( وما قلى ) لأن الترك ضرب من القلى ، فهذا أحسن من أن يعلّ باب استحوذ واستنوق الجمل ؛ لأن استعمال ( ودع ) مراجعة أصل ، وإعلال استحوذ واستنوق ، ونحوهما من المصحّح ترك أصل ، وبين مراجعة الأصول إلى تركها ما لاخفاء به . واعلم أن استعمال ما رفضته العرب لاستغنائها بغيره جار في حكم العربيّة مجرى اجتماع الضدّين على المحلّ الواحد في حكم النظر . وذلك أنهما إذا كانا يعتقبان في اللغة على الاستعمال جريا مجرى الضدّين اللذين يتناوبان المحلّ الواحد . فكما لا يجوز اجتماعهما عليه ، فكذلك لا ينبغي أن يستعمل هذان ، وأن يكتفى بأحدهما عن صاحبه ؛ كما يحتمل المحلّ الواحد الضدّ الواحد دون مراسله . ونظير ذلك في إقامة غير المحلّ مقام المحلّ ما يعتقدونه في مضادّة الفناء للأجسام . فتضادّهما إنما هو على الوجود لا على المحلّ ؛ ألا ترى أن الجوهر لا
--> - العرب ( زود ) ، والمقاصد النحوية 4 / 30 ، وبلا نسبة في شرح الأشمونى 1 / 267 ، وشرح شواهد المغنى ص 862 ، وشرح ابن عقيل ص 456 ، ومغنى اللبيب ص 462 ، والمقتضب 2 / 150 . ( 1 ) البيت من الرمل ، وهو لأبى الأسود الدؤلي في ملحق ديوانه ص 350 ، والأشباه والنظائر 2 / 177 ، والإنصاف 2 / 485 ، وخزانة الأدب 5 / 150 ، والشعر والشعراء 2 / 733 ، والمحتسب 2 / 364 ، ولأنس بن زنيم في حماسة البحتري ص 259 ، وخزانة الأدب 6 / 471 ، ولأبى الأسود أو لأنس في لسان العرب ( ورع ) وبلا نسبة في شرح شافية ابن الحاجب 1 / 131 ، وشرح شواهد الشافية ص 50 .