عثمان بن جني ( ابن جني )
372
الخصائص
باب في تركب اللغات اعلم أن هذا موضع قد دعا أقواما ضعف نظرهم ، وخفّت إلى تلقّى ظاهر هذه اللغة أفهامهم ، أن جمعوا أشياء على وجه الشذوذ عندهم ، وادّعوا أنها موضوعة في أصل اللغة على ما سمعوه بأخرة من أصحابها ، وأنسوا ما كان ينبغي أن يذكروه ، وأضاعوا ما كان واجبا أن يحفظوه . ألا تراهم كيف ذكروا في الشذوذ ما جاء على فعل يفعل ؛ نحو نعم ينعم ، ودمت تدوم ، ومتّ تموت . وقالوا أيضا فيما جاء من فعل يفعل ، وليس عينه ولا لامه حرفا حلقيّا ؛ نحو قلى يقلى ، وسلا يسلى ، وجبى يجبى ، وركن يركن ، وقنط يقنط . ومما عدّوه شاذا ما ذكروه من فعل فهو فاعل ؛ نحو طهر فهو طاهر ، وشعر فهو شاعر ، وحمض فهو حامض ، وعقرت المرأة فهي عاقر ؛ ولذلك نظائر كثيرة . واعلم أن أكثر ذلك وعامّته إنما هو لغات تداخلت فتركّبت ، على ما قدّمناه في الباب الذي هذا الباب يليه . هكذا ينبغي أن يعتقد ، وهو أشبه بحكمة العرب . وذلك أنه قد دلّت الدلالة على وجوب مخالفة صيغة الماضي لصيغة المضارع ؛ إذ الغرض في صيغ هذه المثل إنما هو لإفادة الأزمنة ، فجعل لكل زمان مثال مخالف لصاحبه ، وكلّما ازداد الخلاف كانت في ذلك قوّة الدلالة على الزمان . فمن ذلك أن جعلوا بإزاء حركة فاء الماضي سكون فاء المضارع ، وخالفوا بين عينيهما ، فقالوا : ضرب يضرب ، وقتل يقتل ، وعلم يعلم . فإن قلت : فقد قالوا : دحرج يدحرج ؛ فحرّكوا فاء المضارع والماضي جميعا ، وسكّنوا عينيهما أيضا ؛ قيل : لمّا فعلوا ذلك في الثلاثيّ الذي هو أكثر استعمالا ، وأعمّ تصرّفا ، وهو كالأصل للرباعىّ ، لم يبالوا ما فوق ذلك ممّا جاوز الثلاثة . وكذلك أيضا قالوا : تقطع يتقطّع ، وتقاعس يتقاعس ، وتدهور يتدهور ، ونحو ذلك ؛ لأنهم أحكموا الأصل الأوّل الذي هو الثلاثيّ ، فقلّ حفلهم بما وراءه ؛ كما أنهم لمّا أحكموا أمر المذكور في التثنية ، فصاغوها على ألفها ، لم يحفلوا بما عرض في المؤنّث من اعتراض علم التأنيث بين الاسم وبين ما هو مصوغ عليه من