عثمان بن جني ( ابن جني )
373
الخصائص
علمها ؛ نحو قائمتان وقاعدتان . فإن قلت : فقد نجد في الثلاثيّ ما تكون حركة عينيه في الماضي والمضارع سواء ، وهو باب فعل ؛ نحو كرم يكرم ، وظرف يظرف . قيل : على كل حال فاؤه في المضارع ساكنة ، وأمّا موافقة حركة عينيه فلأنه ضرب قائم في الثلاثيّ برأسه ؛ ألا تراه غير متعدّ البتّة ، وأكثر باب فعل وفعل متعدّ . فلمّا جاء هذا مخالفا لهما - وهما أقوى وأكثر منه - خولف بينهما وبينه ، فوفّق بين حركتي عينيه ، وخولف بين حركتي عينيهما . وإذا ثبت وجوب خلاف صيغة الماضي صيغة المضارع وجب أن يكون ما جاء من نحو سلا يسلى ، وقلى يقلى ( ونحو ذلك ) ، ممّا التقت فيه حركتا عينيه منظورا في أمره ، ومحكوما عليه بواجبه . فنقول : إنهم قد قالوا : قليت الرجل وقليته . فمن قال : قليته فإنه يقول أقليه ، ومن قال قليته قال : أقلاه . وكذلك من قال : سلوته قال : أسلوه ؛ ومن قال سليته قال : أسلاه ، ثم تلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا ، وهذا لغة هذا ، فأخذ كل واحد منهما من صاحبه ما ضمّه إلى لغته ، فتركّبت هناك لغة ثالثة ؛ كأنّ من يقول سلا أخذ مضارع من يقول سلى ، فصار في لغته سلا يسلى . فإن قلت : فكان يجب على هذا أن يأخذ من يقول سلى مضارع من يقول سلا ، فيجىء من هذا أن يقال : سلى يسلو . قيل : منع من ذلك أن الفعل إذا أزيل ماضيه عن أصله ، سرى ذلك في مضارعه ، وإذا اعتلّ مضارعه سرى ذلك في ماضيه ؛ إذ كانت هذه المثل تجرى عندهم مجرى المثال الواحد ؛ ألا تراهم لمّا أعلّوا " شقى " أعلّوا أيضا مضارعه ، فقالوا يشقيان : ولمّا أعلّوا " يغرى " أعلّوا أيضا أغريت ؛ ولمّا أعلّوا " قام " أعلّوا أيضا يقوم . فلذلك لم يقولوا : سليت تسلو ، فيعلّوا الماضي ويصحّحوا المضارع . فإن قيل : فقد قالوا : محوت تمحى ، وبأوت تبأى ، وسعيت تسعى ، ونأيت تنأى ؛ فصحّحوا الماضي وأعلّوا المستقبل . قيل : إعلال الحرفين إلى الألف لا يخرجهما كل الإخراج عن أصلهما ؛ ألا ترى أن الألف حرف ينصرف إليه عن الياء والواو جميعا ، فليس للألف خصوص