عثمان بن جني ( ابن جني )

342

الخصائص

باب في التقديرين المختلفين لمعنيين مختلفين هذا في كلام العرب كثير فاش ، والقياس له قابل مسوغ . فمن ذلك قولهم : مررت بزيد ، وما كان نحوه ، مما يلحق من حروف الجرّ معونة لتعدّى الفعل . فمن وجه يعتقد في الباء أنها بعض الفعل من حيث كانت معدّية وموصّلة له . كما أن همزة النقل في ( أفعلت ) وتكرير العين في ( فعّلت ) يأتيان لنقل الفعل وتعديته ؛ نحو قام ، وأقمته ، وقوّمته ، وسار ، وأسرته ، وسيّرته . فلمّا كان حرف الجرّ الموصّل للفعل معاقبا لأحد شيئين ، كلّ واحد منهما مصوغ في نفس المثال جرى مجراهما في كونه جزءا من الفعل أو كالجزء منه . فهذا وجه اعتداده كبعض الفعل . وأمّا وجه اعتداده كجزء من الاسم فمن حيث كان مع ما جرّه في موضع نصب ، وهذا يقضى له بكونه جزءا ممّا بعده أو كالجزء منه ؛ ألا تراك تعطف على مجموعهما بالنصب ، كما تعطف على الجزء الواحد في نحو قولك : ضربت زيدا وعمرا ؛ وذلك قولك : مررت بزيد وعمرا ، ورغبت فيك وجعفرا ، ونظرت إليك وسعيدا ؛ أفلا ترى إلى حرف الجرّ الموصّل للفعل كيف قدّر تقديرين مختلفين [ لمعنيين مختلفين ] . ووجه جوازه من قبل القياس أنك إنما تستنكر اجتماع تقديرين مختلفين لمعنيين متفقين ؛ وذلك كأن تروم أن تدلّ على قوّة اتصال حرف الجرّ بالفعل ، فتعتدّه تارة كالبعض له ، والأخرى كالبعض للاسم . فهذا ما لا يجوز مثله ؛ لأنه لا يكون كونه كبعض الاسم دليلا على شدّة امتزاجه بالفعل ، لكن لمّا اختلف المعنيان جاز أن يختلف التقديران ، فاعرف ذلك ، فإنه مما يقبله القياس ولا يدفعه . ومثل ذلك قولهم : ( لا أبا لك ) ، فههنا تقديران مختلفان لمعنيين مختلفين . وذلك أن ثبات الألف في ( أبا ) من ( لا أبا لك ) دليل الإضافة ؛ فهذا وجه . ووجه آخر أن ثبات اللام وعمل ( لا ) في هذا الاسم يوجب التنكير والفصل . فثبات الألف دليل الإضافة والتعريف ، ووجود اللام دليل الفصل والتنكير . وليس هذا