عثمان بن جني ( ابن جني )
343
الخصائص
في الفساد والاستحالة بمنزلة فساد تحقير مثال الكثرة الذي جاء فساده من قبل تدافع حاليه . وذلك أنّ وجود ياء التحقير يقتضى كونه دليلا على القلّة ، وكونه مثالا موضوعا للكثرة دليل على الكثرة ؛ وهذا يجب منه أن يكون الشئ الواحد في الوقت الواحد قليلا كثيرا . وهذا ما لا يجوز لأحد اعتقاده . وليس كذلك تقديرك الباء في نحو : مررت بزيد تارة كبعض الاسم ، وأخرى كبعض الفعل ، من قبل أن هذه إنما هي صناعة لفظيّة يسوغ معها تنقّل الحال وتغيّرها ، فأمّا المعاني فأمر ضيّق ، ومذهب مستصعب ؛ ألا تراك إذا سئلت عن زيد من قولنا : قام زيد سمّيته فاعلا ، وإن سئلت عن زيد من قولنا : زيد قام سمّيته مبتدأ لا فاعلا ، وإن كان فاعلا في المعنى . وذلك أنك سلكت طريق صنعة اللفظ فاختلفت السّمة ، فأمّا المعنى فواحد . فقد ترى إلى سعة طريق اللفظ وضيق طريق المعنى . فإن قلت : فأنت إذا قلت في ( لا أبا لك ) إن الألف تؤذن بالإضافة والتعريف ، واللام تؤذن بالفصل والتنكير ، فقد جمعت على الشئ الواحد في الوقت الواحد معنيين ضدّين ، وهما التعريف والتنكير ، وهذان - كما ترى - متدافعان . قيل : الفرق بين الموضعين واضح ، وذلك أن قولهم : ( لا أبا لك ) كلام جرى مجرى المثل ، وذلك أنك إذا قلت هذا فإنك لا تنفى في الحقيقة أباه ، وإنما تخرجه مخرج الدعاء ؛ أي أنت عندي ممن يستحقّ أن يدعى عليه بفقد أبيه . كذا فسّره أبو علىّ ، وكذلك هو لمتأمّله ؛ ألا ترى أنه قد أنشد توكيدا لما رآه من هذا المعنى فيه قوله : * وتترك أخرى فردة لا أخا لها * ولم يقل : لا أخت لها ، ولكن لمّا جرى هذا الكلام على أفواههم ( لا أبا لك ) ( ولا أخا لك ) قيل مع المؤنّث على حدّ ما يكون عليه مع المذكّر ، فجرى هذا نحوا من قولهم لكل أحد من ذكر وأنثى واثنين وجماعة ( الصيف ضيعت اللبن ) على التأنيث ؛ لأنه كذا جرى أوّله ، وإذا كان الأمر كذلك علم أن قولهم ( لا أبا لك ) إنما فيه تعادى ظاهره ، ( واجتماع ) صورتي الفصل والوصل ، والتعريف والتنكير ، لفظا لا معنى . وإذا آل الأمر إلى ذلك عدنا إلى مثل ما كنا عليه ؛ من تنافر قضيّتى