عثمان بن جني ( ابن جني )

326

الخصائص

باب في هل يجوز لنا في الشعر من الضرورة ما جاز للعرب أو لا ؟ سألت أبا علىّ رحمه اللّه عن هذا فقال : كما جاز أن نفيس منثورنا على منثورهم ، فكذلك يجوز لنا أن نقيس شعرنا على شعرهم . فما أجازته الضرورة لهم أجازته لنا ، وما حظرته عليهم حظرته علينا . وإذا كان كذلك فما كان من أحسن ضروراتهم ، فليكن من أحسن ضروراتنا ، وما كان من أقبحها عندهم فليكن من أقبحها عندنا . وما بين ذلك بين ذلك . فإن قيل : هلا لم يجز لنا متابعتهم على الضرورة ، من حيث كان القوم لا يترسّلون في عمل أشعارهم ترسّل المولّدين ، ولا يتأنّون فيه ، ولا يتلوّمون " 1 " على حوكه ( وعمله ) ، وإنما كان أكثره ارتجالا ، قصيدا كان ، أو رجزا ، أو رملا . فضرورتهم إذا أقوى من ضرورة المحدثين . فعلى هذا ينبغي أن يكون عذرهم فيه أوسع ، وعذر المولّدين أضيق . قيل : يسقط هذا من أوجه : أحدها أنه ليس جميع الشعر القديم مرتجلا ، بل قد كان يعرض لهم فيه من الصبر عليه ، والملاطفة له ، والتلوّم على رياضته ، وإحكام صنعته نحو مما يعرض لكثير من المولّدين . ألا ترى إلى ما يروى عن زهير : من أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين ، فكانت تسمّى حوليات زهير ؛ لأنه كان يحوك القصيدة في سنة . والحكاية في ذلك عن ابن أبي حفصة أنه قال : كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر ، وأحكّكها في أربعة أشهر ، وأعرضها في أربعة أشهر ، ثم أخرج بها إلى الناس . فقيل له : فهذا هو الحولى المنقّح . وكذلك الحكائد عن ذي الرمّة : أنه قال : لمّا قال : * بيضاء في نعج صفراء في برج " 2 " *

--> ( 1 ) تلوّم في الأمر : تمكّث وانتظر . ولي فيه لومة ، أي تلوّم . والتلوّم : الانتظار والتلبث . وانظر اللسان ( لوم ) . ( 2 ) صدر بيت لذي الرمة في ديوانه ص 33 ، وجمهرة اللغة ص 1331 ، وجمهرة أشعار العرب