عثمان بن جني ( ابن جني )

286

الخصائص

* يا بأبى أنت ويا فوق البئب ! " 1 " * فالبئب الآن بمنزلة الضلع ، والعنب ، والقمع ، [ والقرب ] . ومن ذلك قولهم : القرنوة للنبت ، وقالوا : قرنيت السقاء ، إذا دبغته بالقرنوة ، فالياء في قرنيت الآن للإلحاق ، بمنزلة ياء سلقيت ، وجعبيت ، وإنما هي بدل من واو ( قرنوة ) التي هي لغير الإلحاق . وسألني أبو علىّ - رحمه اللّه - عن ألف ( يا ) من قوله - فيما أنشده أبو زيد - : فخير نحن عند الناس منكم * إذا الداعي المثوّب قال يالا " 2 " فقال : أمنقلبة هي ؟ قلت : لا ؛ لأنها في حرف أعنى ( يا ) فقال : بل هي منقلبة . فاستدللته على ذلك ، فاعتصم بأنها قد خلطت باللام بعدها ووقف عليها ، فصارت اللام كأنها جزء منها ، فصارت ( يال ) بمنزلة قال ، والألف في موضع العين وهي مجهولة ، فينبغي أن يحكم عليها بالانقلاب عن الواو . هذا جمل ما قاله ؛ وللّه هو وعليه رحمته ، فما كان أقوى قياسه ، وأشدّ بهذا العلم اللطيف الشريف أنسه . فكأنه إنما كان مخلوقا له . وكيف كان لا يكون كذلك ، وقد أقام على هذه الطريقة مع جلّة أصحابها ، وأعيان شيوخها ، سبعين سنة ، زائحة علله ، ساقطة عنه كلفه ، وجعله همّه وسدمه " 3 " ، لا يعتاقه عنه ولد ، ولا يعارضه فيه متجر ، ولا يسوم به مطلبا ، ولا يخدم به رئيسا إلا بأخرة وقد حطّ من أثقاله ، وألقى عصا ترحاله ! ثم إني - ولا أقول إلا حقّا - لأعجب من نفسي في وقتي هذا ، كيف تطوع لي بمسألة ، أم كيف تطمح بي إلى انتزاع علّة ! مع ما الحال عليه من علق

--> ( 1 ) البيت في اللسان ( أبى ) أنشده الجاحظ مع أبيات في كتاب البيان والتبيين لآدم مولى بلعنبر ، يقول لابن له . وفيه " البيب " بدل " البئب " قال أبو علىّ : الباء مبدلة من همزة بدلا لازما ؛ وبيبت الرجل إذا قلت له بأبى . ( 2 ) البيت لزهير بن مسعود الضبّى في تخليص الشواهد ص 182 ، وخزانة الأدب 2 / 6 ، والدرر 3 / 46 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 595 ، والمقاصد النحوية 1 / 520 ، ونوادر أبى زيد ص 29 ، 237 ، 354 ، وشرح شواهد المغنى 2 / 847 ، وشرح ابن عقيل ص 102 ، ولسان العرب ( يا ) ومغنى اللبيب 1 / 219 ، 2 / 445 ، وهمع الهوامع 1 / 181 . ( 3 ) السدم : الهمّ .