عثمان بن جني ( ابن جني )
287
الخصائص
الوقت وأشجانه ، وتذاؤبه وخلج أشطانه " 1 " ، ولولا معازّة الخاطر واعتنافه ، ومساورة الفكر واكتداده ، لكنت عن هذا الشأن بمعزل ، وبأمر سواه على شغل . وقال لي مرّة رحمه اللّه تأنيسا بهذه الانتقالات : كما جاز إذا سمّيت ب ( ضرب ) أن تخرجه من البناء إلى الإعراب ، كذلك يجوز أيضا أن تخرجه من جنس إلى جنس إذا أنت نقلته من موضعه إلى غيره . ومن طريف ما ألقاه - رضى اللّه تعالى عنه - علىّ أنه سألني يوما عن قولهم هات لا هاتيت ، فقال ( ما هاتيت ) ؟ فقلت : فاعلت ، فهات من هاتيت ، كعاط من عاطيت ، فقال : أشيء آخر ؟ فلم يحضر إذ ذاك ، فقال أنا أرى فيه غير هذا . فسألته عنه ، فقال : يكون فعليت ، قلت : ممّه ؟ قال : من الهوتة ، وهي المنخفض من الأرض - قال : وكذلك ( هيت ) لهذا البلد " 2 " ، لأنه منخفض من الأرض - فأصله هوتيت ، ثم أبدلت الواو التي هي عين فعليت ، وإن كانت ساكنة ؛ كما أبدلت في يا جل ، ويا حل ، فصار هاتيت ، وهذا لطيف حسن . على أن صاحب العين قد قال : إن الهاء فيه بدل من همزة ، كهرقت ونحوه . والذي يجمع بين هاتيت وبين الهوتة حتى دعا ذلك أبا علىّ إلى ما قال به ، أن الأرض المنخفضة تجذب إلى نفسها بانخفاضها . وكذلك قولك : هات ، إنما هو استدعاء منك للشيء ، واجتذابه إليك . وكذلك صاحب العين إنما حمله على اعتقاد بدل الهاء من الهمزة أنه أخذه من أتيت الشئ ، والإتيان ضرب من الانجذاب إلى الشئ . والذي ذهب إليه أبو علىّ في ( هاتيت ) غريب لطيف . ومما يستحيل فيه التقدير لانتقاله من صورة إلى أخرى قولهم ( هلممت ) إذا قلت : هلمّ . فهلممت الآن كصعررت ، وشمللت ، وأصله قبل غير هذا ، إنما هو أوّل ( ها ) للتنبيه لحقت مثال الأمر للمواجه توكيدا . وأصلها ها لم ، فكثر استعمالها ، وخلطت ( ها ) ب ( لم ) ، توكيدا للمعنى لشدّة الاتصال ، فحذفت الألف لذلك ، ولأن لام ( لم ) في الأصل ساكنة ، ألا ترى أن تقديرها أوّل ( المم ) وكذلك يقولها أهل الحجاز ، ثم زال هذا كلّه بقولهم ( هلممت ) فصارت كأنها
--> ( 1 ) الأشطان : جمع شطن وهو الحبل . وخلج أشطانه : فساد أسبابه . ( 2 ) هو بلد على شاطئ الفرات ، وعلى هذا فالياء في هيت أصلها الواو .