عثمان بن جني ( ابن جني )
258
الخصائص
من لغته ، واللّه لا أقولها أبدا . والمروىّ عنهم في شغفهم بلغتهم وتعظيمهم لها واعتقادهم أجمل الجميل فيها أكثر من أن يورد أو جزء من أجزاء كثيرة منه . فإن قلت : فإن العجم أيضا بلغتهم مشغوفون ، ولها مؤثرون ، ولأن يدخلها شيء من العربىّ كارهون ؛ ألا ترى أنهم إذا أورد الشاعر منهم شعرا فيه ألفاظ من العربىّ عيب به ، وطعن لأجل ذلك عليه . فقد تساوت حال اللغتين في ذلك . فأيّة فضيلة للعربيّة على العجميّة ؟ قيل : لو أحسّت العجم بلطف صناعة العرب في هذه اللغة ، وما فيها من الغموض والرّقة والدقة لاعتذرت من اعترافها بلغتها ، فضلا عن التقديم لها ، والتنويه منها . فإن قيل : لا ، بل لو عرفت العرب مذاهب العجم في حسن لغتها ، وسداد تصرّفها ، وعذوبة طرائقها لم تبأ " 1 " بلغتها ، ولا رفعت من رءوسها باستحسانها . وتقديمها . قيل : قد اعتبرنا ما تقوله ، فوجدنا الأمر فيه بضدّه . وذلك أنا نسأل علماء العربية ممن أصله عجمىّ وقد تدرّب بلغته قبل استعرابه ، عن حال اللغتين ، فلا يجمع بينهما ، بل لا يكاد يقبل السؤال عن ذلك ؛ لبعده في نفسه ، وتقدّم لطف العربيّة في رأيه وحسّه . سألت غير مرّة أبا علىّ - رضى اللّه عنه - عن ذلك ، فكان جوابه عنه نحوا مما حكيته . فإن قلت : ما تنكر أن يكون ذلك ، لأنه كان عالما بالعربيّة ، ولم يكن عالما باللغة العجميّة ، ولعلّه لو كان عالما بها لأجاب بغير ما أجاب به . قيل : نحن قد قطعنا بيقين ، وأنت إنما عارضت بشكّ ، ولعلّ هذا ليس قطعا كقطعنا ، ولا يقينا كيقيننا . وأيضا فإن العجم العلماء بلغة العرب وإن لم يكونوا علماء بلغة العجم فإن قواهم في العربيّة تؤيّد معرفتهم بالعجميّة ، وتؤنسهم بها ، وتزيد في تنبيههم على أحوالها ؛ لاشتراك العلوم اللغويّة واشتباكها وتراميها إلى الغاية الجامعة لمعانيها . ولم نر أحدا
--> ( 1 ) بأي يبأى بأوا : فخر ، والبأو : الكبر والفخر ، والبأى لغة في البأو . اللسان ( بأي ) .