عثمان بن جني ( ابن جني )
259
الخصائص
من أشياخنا فيها - كأبى حاتم " 1 " ، وبندار " 2 " ، وأبى علىّ ، وفلان ، وفلان - يسوّون بينهما ولا يقرّبون بين حاليهما . وكأنّ هذا موضع ليس للخلاف فيه مجال ؛ لوضوحه عند الكافّة . وإنما أوردنا منه هذا القدر احتياطا به ، واستظهارا على مورد له عسى أن يورده . فإن قلت : زعمت أن العرب تجتمع على لغتها فلا تختلف فيها ، وقد نراها ظاهرة الخلاف ؛ ألا ترى إلى الخلاف في ( ما ) الحجازيّة ، والتميميّة ، وإلى الحكاية في الاستفهام عن الأعلام في الحجازيّة ، وترك ذلك في التميميّة ، إلى غير ذلك ، قيل : هذا القدر من الخلاف لقلته ونزارته ، محتقر غير محتفل به ، ولا معيج " 3 " عليه ، وإنما هو في شيء من الفروع يسير . فأمّا الأصول وما عليه العامّة والجمهور ، فلا خلاف فيه ، ولا مذهب للطاعن به . وأيضا فإن أهل كلّ واحدة من اللغتين عدد كثير ، وخلق ( من اللّه ) عظيم ، وكلّ واحد منهم محافظ على لغته ، لا يخالف شيئا منها ولا يوجد عنده تعاد فيها . فهل ذلك إلا لأنهم يحتاطون ، ويقتاسون ، ولا يفرّطون ، ولا يخلّطون . ومع هذا فليس شيء مما يختلفون فيه - على قلّته وخفّته - إلا له من القياس وجه يؤخذ به . ولو كانت هذه اللغة حشوا مكيلا ، وحثوا مهيلا ، لكثر خلافها ، وتعادت أوصافها : فجاء عنهم جرّ الفاعل ، ورفع المضاف إليه والمفعول به ، والجزم بحروف النصب ، والنصب بحروف الجزم ؛ بل جاء عنهم الكلام سدى غير محصّل ، وغفلا من الإعراب ، ولاستغنى بإرساله وإهماله عن إقامة إعرابه ، والكلف الظاهرة بالمحاماة على طرد أحكامه . هذا كلّه وما أكنى عنه من مثله - تحاميا للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا به ، وأخذوا باستعماله . وإن كانت شيئا اصطلحوا عليه ، وترافدوا بخواطرهم وموادّ حكمهم على عمله وترتيبه ، وقسمة أنحائه ، وتقديمهم أصوله ،
--> ( 1 ) هو سهل بن محمد بن عثمان بن القاسم أبو حاتم السّجستانىّ البصرىّ ، أستاذ المبرد . مات سنة 255 ه وانظر البغية . ( 1 / 206 ) . ( 2 ) هو بندار بن عبد الحميد أبو عمر الكرخي الأصبهاني المعروف بابن لرّة . البغية ( 1 / 476 ) . ( 3 ) العيج : شبه الاكتراث ، يقال : ما عاج بقوله عيجا : لم يكترث له . اللسان ( عيج ) .