عثمان بن جني ( ابن جني )

237

الخصائص

باب في الرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني اعلم أن هذا الباب من أشرف فصول العربيّة ، وأكرمها ، وأعلاها ، وأنزهها . وإذا تأمّلته عرفت منه وبه ما يؤنقك ، ويذهب في الاستحسان له كل مذهب بك . وذلك أن العرب كما تعنى بألفاظها فتصلحها وتهذّبها وتراعيها ، وتلاحظ أحكامها ، بالشعر تارة ، وبالخطب أخرى ، وبالأسجاع التي تلتزمها وتتكلّف استمرارها ، فإن المعاني أقوى عندها ، وأكرم عليها ، وأفخم قدرا في نفوسها . فأوّل ذلك عنايتها بألفاظها . فإنها لمّا كانت عنوان معانيها ، وطريقا إلى إظهار أغراضها ، ومراميها ، أصلحوها ورتّبوها ، وبالغوا في تحبيرها وتحسينها ؛ ليكون ذلك أوقع لها في السمع ، وأذهب بها في الدلالة على القصد ؛ ألا ترى أن المثل إذا كان مسجوعا لذّ لسامعه فحفظه ، فإذا هو حفظه كان جديرا باستعماله ، ولو لم يكن مسجوعا لم تأنس النفس به ، ولا أنقت لمستمعه ، وإذا كان كذلك لم تحفظه ، وإذا لم تحفظه لم تطالب أنفسها باستعمال ما وضع له ، وجيء به من أجله . وقال لنا أبو علىّ يوما : قال لنا أبو بكر : إذا لم تفهموا كلامي فاحفظوه ، فإنكم إذا حفظتموه فهمتموه . وكذلك الشعر : النفس له أحفظ ، وإليه أسرع ؛ ألا ترى أن الشاعر قد يكون راعيا جلفا ، أو عبدا عسيفا ، تنبو صورته ، وتمجّ جملته ، فيقول ما يقوله من الشعر ، فلأجل قبوله ، وما يورده عليه من طلاوته ، وعذوبة مستمعه ما يصير قوله حكما يرجع إليه ، ويقتاس به ؛ ألا ترى إلى قول العبد الأسود " 1 " : إن كنت عبدا فنفسى حرّة كرما * أو أسود اللون إني أبيض الخلق وقول نصيب : سودت فلم أملك سوادي وتحته * قميص من القوهىّ بيض بنائقه " 2 "

--> ( 1 ) هو سحيم عبد بنى الحساس . وانظر الأغانى ص 2 ج 20 طبعة بولاق ، والديوان 55 . ( نجار ) . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو لنصيب في ديوانه ص 110 ، وتاج العروس ( سود ) ، ( قوه ) ، ( نبق ) ، أو الأشباه والنظائر 6 / 27 ، والأغانى 1 / 333 ، وذيل الأمالي ص 127 ، وشرح المفصل