عثمان بن جني ( ابن جني )
224
الخصائص
باب في اللفظين على المعنى الواحد يردان عن العالم متضادين وذلك عندنا على أوجه : أحدها أن يكون أحدهما مرسلا ، والآخر معلّلا . فإذا اتّفق ذلك كان المذهب الأخذ بالمعلّل ، ووجب مع ذلك أن يتأوّل المرسل . وذلك كقول صاحب الكتاب - في غير موضع - في التاء من ( بنت وأخت ) : إنها للتأنيث ، وقال أيضا مع ذلك في باب ما ينصرف وما لا ينصرف : إنها ليست للتأنيث . واعتلّ لهذا القول بأن ما قبلها ساكن ، وتاء التأنيث في الواحد لا يكون ما قبلها ساكنا ، إلا أن يكون ألفا ؛ كقناة ، وفتاة ، وحصاة ، والباقي كلّه مفتوح ؛ كرطبة ، وعنبة ، وعلامة ، ونسّابة . قال : ولو سمّيت رجلا ببنت وأخت لصرفته . وهذا واضح . فإذا ثبت هذا القول الثاني بما ذكرناه ، وكانت التاء فيه إنما هي عنده على ما قاله بمنزلة تاء ( عفريت ) و ( ملكوت ) وجب أن يحمل قوله فيها : إنها للتأنيث على المجاز وأن يتأوّل ، ولا يحمل القولان على التضادّ . ووجه الجمع بين القولين أن هذه التاء وإن لم تكن عنده للتأنيث فإنها لمّا لم توجد في الكلمة إلا في حال التأنيث استجاز أن يقول فيها : إنها للتأنيث ؛ ألا ترى أنك إذا ذكّرت قلت ( ابن ) فزالت التاء كما تزول التاء من قولك : ابنة . فلمّا ساوقت تاء بنت تاء ابنة ، وكانت تاء ابنة للتأنيث ، قال في تاء بنت ما قال في تاء ابنة . وهذا من أقرب ما يتسمّح به في هذه الصناعة ؛ ألا ترى أنه قال في عدّة مواضع في نحو ( حمراء ) و ( أصدقاء ) و ( عشراء ) " 1 " وبابها : إن الألفين للتأنيث ، وإنما صاحبة التأنيث منهما الأخيرة التي قلبت همزة لا الأولى ، وإنما الأولى زيادة لحقت قبل الثانية التي هي كألف ( سكرى ) و ( عطشى ) فلمّا التقت الألفان وتحرّكت الثانية قلبت همزة . ويدلّ على أن الثانية للتأنيث وأن الأولى ليست له أنك لو اعتزمت إزالة العلامة للتأنيث في هذا الضرب من الأسماء غيّرت الثانية وحدها ، ولم تعرض للأولى . وذلك قولهم : ( حمراوان ) و ( عشراوات ) و ( صحراوىّ ) .
--> ( 1 ) ناقة عشراء : مضى لحملها عشرة أشهر .