عثمان بن جني ( ابن جني )

217

الخصائص

يقول من تطرق أسماعه * كم ترك الأوّل للآخر ! " 1 " فممّا جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدئ هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت ، ما رأيته " 2 " أنا في قولهم : هذا جحر ضبّ خرب . فهذا يتناوله آخر عن أوّل ، وتال عن ماض على أنه غلط من العرب ، لا يختلفون فيه ولا يتوقّفون عنه ، وأنه من الشاذّ الذي لا يحمل عليه ، ولا يجوز ردّ غيره إليه . وأمّا أنا فعندي أنّ في القرآن مثل هذا الموضع نيّفا على ألف موضع . وذلك أنه على حذف المضاف لا غير . فإذا حملته على هذا الذي هو حشو الكلام من القرآن والشعر ساغ وسلس ، وشاع وقبل . وتلخيص هذا أن أصله : هذا جحر ضبّ خرب جحره ؛ فيجرى " خرب " وصفا على " ضبّ " وإن كان في الحقيقة للجحر . كما تقول مررت برجل قائم أبوه " 3 " ، فتجرى " قائما " وصفا على " رجل " وإن كان القيام للأب لا للرجل ، لما ضمن من ذكره . والأمر في هذا أظهر من أن يؤتى بمثال له أو شاهد عليه . فلمّا كان أصله كذلك حذف الحجر المضاف إلى الهاء ، وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت ؛ لأن المضاف المحذوف كان مرفوعا ، فلمّا ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس " خرب " فجرى وصفا على ضبّ - وإن كان الخراب للجحر لا للضبّ - على تقدير حذف المضاف ، على ما أرينا . وقلّت آية تخلو من حذف المضاف ، نعم ، وربّما كان في الآية الواحدة من ذلك عدّة مواضع . وعلى نحو من هذا حمل أبو علىّ رحمه اللّه :

--> ( 1 ) هو من قصيدة له في مدح أبي سعيد ، أولها : قل للأمير الأريحىّ الذي * كفاه للبادي وللحاضر وقبله : لا زلت من شكري في حلة * لابسها ذو سلب فاخر فالحديث في البيت الشاهد عن حلة الثناء في البيت . وانظر الديوان 143 . ( نجار ) . ( 2 ) ينبّه ابن هشام في المغنى في القاعدة الثانية من الكتاب الثامن " أنكر السيرافى وابن جنى الخفض على الجوار وتأولا قولهم " خرب " بالجر على أنه صفة " لضب " . ( 3 ) أي ضميره . يريد أن المسوّغ لمجيء قائم وصفا للرجل وهو ليس بوصف له في الحقيقة ، بل الموصوف حقيقة الأب ، هو تضمن الأب ذكر الرجل . ( نجار ) .