عثمان بن جني ( ابن جني )

216

الخصائص

باب القول على إجماع أهل العربية متى يكون حجة ؟ اعلم أن إجماع أهل البلدين إنما يكون حجّة إذا أعطاك خصمك يده ألا يخالف المنصوص . والمقيس على المنصوص ، فأمّا إن لم يعط يده بذلك فلا يكون إجماعهم حجّة عليه . وذلك أنه لم يرد ممن يطاع أمره في قرآن ولا سنّة أنهم لا يجتمعون على الخطأ ؛ كما جاء النصّ عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من قوله : " أمّتى لا تجتمع على ضلالة " " 1 " وإنما هو علم منتزع من استقراء هذه اللغة . فكلّ من فرق له عن علّة صحيحة ، وطريق نهجة كان خليل نفسه ، وأبا عمرو فكره . إلا أننا - مع هذا الذي رأيناه وسوّغنا مرتكبه - لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي قد طال بحثها ، وتقدّم نظرها ، وتتالت أواخر على أوائل ، وأعجازا على كلاكل ، والقوم الذين لا نشكّ في أن اللّه - سبحانه وتقدّست أسماؤه - قد هداهم لهذا العلم الكريم ، وأراهم وجه الحكمة في الترجيب له والتعظيم ، وجعله ببركاتهم ، وعلى أيدي طاعاتهم ، خادما للكتاب المنزل ، وكلام نبيه المرسل ، وعونا على فهمهما ؛ ومعرفة ما أمر به ، أو نهى عنه الثّقلان منهما ، إلا بعد أن يناهضه إتقانا ، ويثابته عرفانا ، ولا يخلد إلى سانح خاطره ، ولا إلى نزوة من نزوات تفكّره . فإذا هو حذا على هذا المثال ، وباشر بإنعام تصفّحه أحناء الحال ، أمضى الرأي فيما يريه اللّه منه ، غير معازّ به ، ولا غاضّ من السّلف - رحمهم اللّه - في شيء منه . فإنه إذا فعل ذلك سدّد رأيه . وشيّع خاطره ، وكان بالصواب مئنّة ، ومن التوفيق مظنّة ، وقد قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ : ما على الناس شيء أضرّ من قولهم : ما ترك الأوّل للآخر شيئا . وقال أبو عثمان المازنىّ : " وإذا قال العالم قولا متقدّما فللمتعلّم الاقتداء به ( والانتصار له ) ، ( والاحتجاج ) لخلافه ، إن وجد إلى ذلك سبيلا " وقال الطائي الكبير :

--> ( 1 ) ذكره الحافظ في " التلخيص " ، ( 3 / 141 ) ، وقال : " هذا حديث مشهور له طرق كثيرة ، لا يخلو واحد منها من مقال ، منها لأبى داود عن أبي مالك الأشعري مرفوعا : . . . وفي إسناده انقطاع ، وللترمذي والحاكم عن ابن عمر مرفوعا . . . وفيه سليمان بن شعبان المدني ، وهو ضعيف - وأخرج الحاكم له شواهد . . " .