عثمان بن جني ( ابن جني )
19
الخصائص
" العسلان " و " الرتكان " . . ومثل هذا " الغليان " ؛ لأنه زعزعة وتحرك ، ومثله " الغثيان " لأنه تجيش نفسه وتثور ، ومثله الخطران واللمعان ، لأن هذا اضطراب وتحرّك ، ومثل ذلك اللهبان والصخدان والوهجان لأنه تحرك الحر وثؤوره فإنما هو بمنزلة الغليان . . " " 1 " . نلمح في هذا النص التفات سيبويه إلى الدلالة المركزية المشتركة التي توحى بها البنية الصوتية لتلك المصادر ( النزوان ، والنقزان ، والقفزان ، والعسلان ، والرتكان ، والغليان ، والغثيان ، والخطران ، واللمعان ، واللهبان ، والوهجان . . . إلخ ) . فهذه المصادر قد اشتركت جميعا في بنية صوتية واحدة هي صيغة فعلان بما لها من سمات صوتية خاصة . وإذا تأملنا الدلالة المعجمية لتلك المصادر وجدناها تشترك جميعها في معنى مشترك بينها ، هو الحركة والاهتزاز والاضطراب ، وهي تعبر عن الشئ الذي تزداد حركته واهتزازه واضطرابه شيئا فشيئا ، ثم تطول حركته ويستمر اضطرابه حينا ، ولا يكون هدوؤه فجأة ، بل يستمر زمنا حتى يهدأ . وإذا تأملنا البنية الصوتية لتلك المصادر التي جاءت على صيغة ( فعلان ) وجدنا أن توالى الحركتين القصيرتين - الفتحتين - اتباع هاتين الفتحتين بفتحة طويلة هي ألف المدّ ، ثم انتهاء الكلمة بالنون ذات الغنة المجهورة التي يمتد زمن النطق بها حينا بما يشبه الزّنّة الطويلة . . . إذا تأملنا ذلك كله وجدنا تمام المناسبة بين السمات الصوتية لتلك المصادر والمعنى الذي تدل عليه وهو الحركة والاهتزاز والاضطراب الذي يزداد شيئا فشيئا وهذا ما تعبر عنه الحركتان القصيرتان - الفتحتان المتواليتان - ، ثم تأتى الحركة الطويلة - ألف المد - لتعبر عن طول تلك الحركة ، ثم يأتي حرف النون ليعبر عن معنى آخر وهو أن هدوء تلك الحركة لا يكون فجأة بل يحتاج إلى زمن يسير تخفت فيه الحركة شيئا فشيئا حتى تهدأ ، وهو ما تعبر عنه غنّة النون ذات الصوت المجهور . وإذا كان سيبويه قد التفت إلى العلاقة بين الأصوات والمعاني التي تدل عليها في مثل تلك المصادر ، دون محاولة منه في الكشف عن وجه المناسبة بين أصوات تلك المصادر ومعانيها - فإن ابن جنى قد تلقف إشارات كل من الخليل وسيبويه في هذا المجال ثم أولى هذا الباب عناية فائقة ، ولم يكتف فيه بالوقوف على الظاهرة كهؤلاء القدماء ، بل
--> ( 1 ) سيبويه الكتاب 2 / 218 .