عثمان بن جني ( ابن جني )
20
الخصائص
أخذ يعلل أو يبين وجه التناسب بين تلك الأصوات وتلك المعاني ، وقد علّل لمناسبة تلك المصادر لمعانيها تعليلا جيّدا بقوله : " فقابلوا بتوالي حركات المثال ( أي الصيغة ) أو البنية توالى حركات الأفعال " " 1 " . وقد اتجه البحث في دلالة الأصوات عند ابن جنى إلى جهتين متكاملتين : الأولى : [ النظر إلى صفة الحرف ومخرجه ] وحاله من حيث التفخيم والترقيق ، والشدّة والرخاوة والجهر والهمس والإطباق والانفتاح والاستعلاء والاستطالة والتفشى وغير ذلك ، ثمّ بحث العلاقة بين هذه الأحوال والصفات وبين الدلالة الوضعية للكلمة . الثانية : النظر إلى دلالة الكلمة باعتبارها تركيبا صوتيا له بنية وهيئة بعينها ، بحيث يبحث العلاقة بين طريقة تركيب أحرف تلك الكلمة ، ومناسبة ذلك التركيب وتلك الهيئة للمعنى الذي وضعت له الكلمة . وقد اهتم ابن جنّى ( ت 392 ه ) بدراسة الدلالة الصوتية على هذين المستويين في " باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني " حيث يقول : " فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ، ونهج متلئب ( أي : ثابت ) عند عارفيه مأموم ، وذلك أنهم كثيرا ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبّر بها عنها ، فيعدلونها ويحتذونها عليها ، وذلك أكثر مما نقدّره وأضعاف ما نستشعره " " 2 " . وهو يشير إلى كثرة هذا النوع من دلالة الأصوات على المعاني في اللغة ، ثم يعرض أمثلة له ، فمما مثّل به للنوع الأول : تفريقهم بين الخضم والقضم والنّضح والنّضخ ، يقول : من ذلك قولهم : " خضم وقضم ، فالخضم لأكل الرّطب ، كالبطيخ والقثّاء ، وما كان نحوهما من المأكول الرطب . والقضم للصلب اليابس ، نحو قضمت الدابة شعيرها ، ونحو ذلك ، وفي الخبر " قد يدرك الخضم بالقضم " أي قد يدرك الرخاء بالشدة ، واللين بالشظف . وعليه قول أبى الدرداء : " يخضمون ونقضم والموعد اللّه " " 3 " . ويوضح سرّ اختلاف الدلالة بين صوتي الخاء والقاف ، ويجعل ذلك راجعا إلى
--> ( 1 ) الخصائص 2 / 152 . ( 2 ) الخصائص ج 2 ، ص 157 . ( 3 ) السابق والصفحة نفسها .