عثمان بن جني ( ابن جني )

169

الخصائص

باب في الاستحسان " 1 " وجماعه أن علّته ضعيفة غير مستحكمة ؛ إلا أنّ فيه ضربا من الاتّساع والتصرّف . من ذلك تركك الأخفّ إلى الأثقل من غير ضرورة ؛ نحو قولهم : الفتوى ، والبقوى ، والتقوى ، والشروى ، ونحو ذلك ؛ ألا ترى أنهم قلبوا الياء هنا واوا من غير استحكام علّة أكثر من أنهم أرادوا الفرق بين الاسم والصفة . وهذه ليست علّة معتدّة ؛ ألا تعلم كيف يشارك الاسم الصفة في أشياء كثيرة لا يوجبون على أنفسهم الفرق بينهما فيها . من ذلك قولهم في تكسير حسن : حسان ، فهذا كجبل وجبال ؛ وقالوا : فرس ورد ، وخيل ورد ؛ فهذا كسقف ، وسقف . وقالوا : رجل غفور ، وقوم غفر ، وفخور وفخر ؛ فهذا كعمود وعمد . وقالوا : جمل بازل ، وإبل بوازل ، وشغل شاغل ، وأشغال شواغل ؛ فهذا كغارب وغوارب ، وكاهل وكواهل . ولسنا ندفع أن يكونوا قد فصلوا بين الاسم والصفة في أشياء غير هذه ؛ إلا أن جميع ذلك إنما هو استحسان لا عن ضرورة علّة ، وليس بجار مجرى رفع الفاعل ، ونصب المفعول ؛ ألا ترى أنه لو كان الفرق بينهما واجبا لجاء في جميع الباب ؛ كما أن رفع الفاعل ونصب المفعول منقاد في جميع الباب . فإن قلت : فقد قال الجعدىّ : حتى لحقنا بهم تعدى فوارسنا * كأنّنا رعن قفّ يرفع الآلا " 2 "

--> ( 1 ) الاستحسان من مصطلح أصول الفقه . والاستحسان : هو ترك القياس والأخذ بما هو أرفق للناس . التعريفات ص 19 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو للنابغة الجعدي في ديوانه ص 106 ، وأدب الكاتب ص 28 ، وأمالي القالى 2 / 228 ، وجمهرة اللغة ص 666 ، وسمط اللآلي ص 850 ، ولسان العرب ( أول ) ، وتاج العروس ( أول ) ، والمعاني الكبير ص 883 ، وبلا نسبة في الإنصاف 1 / 158 ، والمحتسب 2 / 27 . ويروى : كفّ بدلا من : قفّ . والرعن : أول كل شيء ، والقف : حجارة بعضها فوق بعض ، وهو جبل غير أنه ليس بطويل في السماء . والآل : السراب .