عثمان بن جني ( ابن جني )

170

الخصائص

فرفع المفعول ونصب الفاعل ، قيل لو لم يحتمل هذا البيت إلا ما ذكرته لقد كان على سمت من القياس ، ومطرب " 1 " متورّد بين الناس ؛ ألا ترى أنه على كل حال قد فرق فيه بين الفاعل والمفعول ، وإن اختلفت جهتا الفرق . كيف ووجهه في أن يكون الفاعل فيه مرفوعا ، والمفعول منصوبا قائم صحيح مقول به . وذلك أن رعن هذا القفّ لمّا رفعه الآل فرئي فيه ، ظهر به الآل إلى مرآة العين ظهورا لولا هذا الرعن لم يبن للعين فيه بيانه إذا كان فيه ؛ ألا تعلم أن الآل إذا برق للبصر رافعا شخصا كان أبدى للناظر إليه منه لو لم يلاق شخصا يزهاه فيزداد بالصورة التي حملها سفورا ، وفي مسرح الطرف تجلّيا وظهورا . فإن قلت : فقد قال الأعشى : * إذ يرفع الآل رأس الكلب فارتفعا " 2 " * فجعل الآل هو الفاعل ، والشخص هو المفعول ، قيل ليس في هذا أكثر من أنّ هذا جائز ، وليس فيه دليل على أن غيره غير جائز ؛ ألا ترى أنك إذا قلت ما جاءني غير زيد ، فإنما في هذا دليل على أن الذي هو غيره لم يأتك ، فأمّا زيد نفسه فلم تعرض للإخبار بإثبات مجىء له أو نفيه عنه ، فقد يجوز أن يكون قد جاء وأن يكون أيضا لم يجئ . إن قلت : فهل تجد لبيت الجعدىّ على تفسيرك الذي حكيته ورأيته نظيرا ؟ قيل : لا ينكر وجود ذلك مع الاستقراء ؛ واعمل فيما بعد على أن لا نظير له ؛ ألا تعلم أن القياس إذا أجاز شيئا وسمع ذلك الشئ عينه ، فقد ثبت قدمه ، وأخذ من الصحّة والقوّة مأخذه ، ثم لا يقدح فيه ألا يوجد له نظير ؛ لأنّ إيجاد النظير وإن كان مأنوسا به فليس في واجب النظر إيجاده ؛ ألا ترى أن قولهم : في شنوءة شنئىّ ، لمّا قبله القياس لم يقدح فيه عدم نظيره ؛ نعم ولم يرض له أبو الحسن بهذا

--> ( 1 ) المطرب والمطربة : الطريق الضيق ، والجمع المطارب . اللسان ( طرب ) . ( 2 ) عجز البيت من البسيط : وهو للأعشى في ديوانه ص 153 ، ولسان العرب ( كلب ) ، ( أول ) ، ومقاييس اللغة 1 / 449 ، وتاج العروس ( كلب ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( أول ) وصدر البيت : * إذ نظرت نظرة ليست بكاذبة *