عثمان بن جني ( ابن جني )
159
الخصائص
فإن قلت : فما تقول في استعان وقد أعلّ ، وليس تحته ثلاثىّ معتلّ ، ألا تراك لا تقول : عان يعون كقام يقوم ؟ قيل : هو وإن لم ينطق بثلاثيّه فإنه في حكم المنطوق به ، وعليه جاء أعان يعين . وقد شاع الإعلال في هذا الأصل ؛ ألا تراهم قالوا : المعونة - فأعلّوها كالمثوبة ، والمعوضة " 1 " - والإعانة ، والاستعانة . فأمّا المعاونة فكالمعاودة : صحّت لوقوع الألف قبلها . فلمّا اطّرد الإعلال في جميع ذلك دلّ أن ثلاثيّه وإن لم يكن مستعملا فإنه في حكم ذلك . وليس هذا بأبعد من اعتقاد موضع ( أن ) لنصب الأفعال في تلك الأجوبة ، وهي الأمر والنهى وبقيّة ذلك ، وإن لم تستعمل قطّ . فإذا جاز اعتقاد ذلك ، وطرد المسائل عليه لدلالة الحال على ثبوته في النفس ، كان إعلال نحو أعان ، واستعان ، ومعين ، ومستعين ، والإعانة والاستعانة - لاعتقاد كون الثلاثيّ من ذلك في حكم الملفوظ به - أحرى وأولى . وأيضا فقد نطقوا من ثلاثيّه بالعون ، وهو مصدر ، وإذا ثبت أمر المصدر الذي هو الأصل لم يتخالج شكّ في الفعل الذي هو الفرع ؛ قال لي أبو علىّ بالشام : إذا صحّت الصفة فالفعل في الكفّ . وإذا كان هذا حكم الصفة كان في المصدر أجدر ؛ لأن المصدر أشدّ ملابسة للفعل من الصفة ؛ ألا ترى أن في الصفة [ ما ليس بمشتق ] نحو قولك : مررت بإبل مائة ، ومررت برجل أبى عشرة أبوه ، ومررت بقاع عرفج " 2 " كلّه ، ومررت بصحيفة طين خاتمها ، ومررت بحيّة ذراع طولها ، وليس هذا مما يشاب به المصدر ، إنما هو ذلك الحدث الصافي ؛ كالضرب ، والقتل ، والأكل ، والشرب . فإن قلت : ألا تعلم أن في الناقة معنى الفعل . وذلك أنها فعلة من التنوّق في الشئ وتحسينه ، قال ذو الرمّة : . . . تنوّقت * به حضرميّات الأكفّ الحوائك " 3 "
--> ( 1 ) المعوضة : العوض . ( 2 ) العرفج : نبات طيب الرائحة ، واحده عرفجة . ( 3 ) البيت من الطويل ، وهو لذي الرمّة في تتمة ديوانه ص 1714 ، ولسان العرب ( نوق ) ، وتاج