عثمان بن جني ( ابن جني )

150

الخصائص

ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته * على السّنّ خيرا لا يزال يزيد " 1 " فإنك قائل : دخلت على " ما " - وإن كانت " ما " هاهنا مصدريّة - ؛ لشبهها لفظا بما النافية التي تؤكّد بأن من قوله : ما إن يكاد يخلّيهم لوجهتهم * تخالج الأمر إن الأمر مشترك " 2 " وشبه اللفظ بينهما يصيّر " ما " المصدرية إلى أنها كأنها " ما " التي معناها النفي ؛ أفلا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق " إن " بها . فالمعنى إذا أشيع وأسير حكما من اللفظ ؛ لأنك في اللفظىّ متصوّر لحال المعنوىّ ، ولست في المعنوىّ بمحتاج إلى تصوّر حكم اللفظىّ . فاعرف ذلك . واعلم أن العرب تؤثر من التجانس والتشابه وحمل الفرع على الأصل ، ما إذا تأمّلته عرفت منه قوّة عنايتها بهذا الشأن ، وأنه منها على أقوى بال ؛ ألا ترى أنهم لمّا أعربوا بالحروف في التثنية والجمع الذي على حدّه ، فأعطوا الرفع في التثنية الألف ، والرفع في الجمع الواو ، والجرّ فيهما الياء ، وبقي النصب لا حرف له فيماز به ، جذبوه إلى الجرّ فحملوه عليه دون الرفع ؛ لتلك الأسباب المعروفة هناك ، فلا حاجة بنا هنا إلى الإطالة بذكرها ، ففعلوا ذلك ضرورة ، ثم لمّا صاروا إلى جمع التأنيث حملوا النصب أيضا على الجرّ ، فقالوا ضربت الهندات ( كما قالوا مررت بالهندات ) ولا ضرورة هنا ؛ لأنهم قد كانوا قادرين على أن يفتحوا التاء فيقولوا : رأيت الهندات ، فلم يفعلوا ذلك مع إمكانه وزوال الضرورة التي عارضت في المذكر عنه ، فدلّ دخولهم تحت هذا - مع أن الحال لا تضطرّ إليه -

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للمعلوط القريعى في شرح التصريح 1 / 189 ، وشرح شواهد المغنى ص 85 ، 716 ، ولسان العرب ( أنن ) ، والمقاصد النحويّة 2 / 22 ، وبلا نسبة في الأزهية ص 52 ، 96 والأشباه والنظائر 2 / 187 ، وأوضح المسالك 1 / 246 ، والجنى الداني ص 211 ، وجواهر الأدب ص 208 ، وخزانة الأدب 8 / 443 ، والدرر 2 / 110 ، وسر صناعة الإعراب 1 / 378 ، وشرح المفصل 8 / 130 ، والكتاب 4 / 222 ، ومغنى اللبيب 1 / 25 ، والمقرب 1 / 97 ، وهمع الهوامع 1 / 125 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو لزهير بنى أبى سلمى في ديوانه ص 165 ، ولسان العرب ( أنن ) ، والمقتضب 2 / 363 ، وتاج العروس ( أنن ) .