عثمان بن جني ( ابن جني )
151
الخصائص
على إيثارهم واستحبابهم حمل الفرع على الأصل ، وإن عرى من ضرورة الأصل . وهذا جلىّ كما ترى . ومن ذلك حملهم حروف المضارعة بعضها على حكم بعض ، في نحو حذفهم الهمزة في نكرم ، وتكرم ، ويكرم ؛ لحذفهم إيّاها في أكرم ؛ لما كان يكون هناك من الاستثقال ؛ لاجتماع الهمزتين في نحو أؤكرم ، وإن عريت بقيّة حروف المضارعة - لو لم تحذف - من اجتماع همزتين ؛ وحذفهم أيضا الفاء من نحو وعد ، وورد ، في يعد ، ويرد ؛ لما كان يلزم - لو لم تحذف - من وقوع الواو بين ياء وكسرة ، ثم حملوا على ذلك ما لو لم يحذفوه لم يقع بين ياء وكسرة ؛ نحو أعد ، وتعد ، ونعد ؛ لا للاستثقال ، بل لتتساوى أحوال حروف المضارعة في حذف الفاء معها . فإذا جاز أن يحمل حروف المضارعة بعضها على بعض - ومراتبها متساوية ، وليس بعضها أصلا لبعض - كان حمل المؤنّث على المذكّر لأن المذكّر أسبق رتبة من المؤنّث ، أولى وأجدر . ومن ذلك مراعاتهم في الجمع حال الواحد ؛ لأنه أسبق من الجمع ؛ ألا تراهم لمّا أعلّت الواو في الواحد ، أعلّوها أيضا في الجمع ، في نحو قيمة وقيم ، وديمة وديم ، ولمّا صحّت في الواحد صحّحوها في الجمع ، فقالوا : زوج وزوجة ، وثور وثورة . فأمّا ثيرة ففي إعلال واوه ثلاثة أقوال : أما صاحب الكتاب فحمله على الشذوذ ، وأما أبو العباس فذكر أنهم أعلّوه ليفصلوا بذلك بين الثور من الحيوان وبين الثور ، وهو القطعة من الأقط ؛ لأنهم لا يقولون فيه إلا ثورة بالتصحيح لا غير . وأمّا أبو بكر فذهب في إعلال ثيرة إلى أن ذلك لأنها منقوصة من ثيارة ، فتركوا الإعلال في العين أمارة لما نووه من الألف ؛ كما جعلوا تصحيح نحو اجتوروا ، واعتونوا ، دليلا على أنه في معنى ما لا بدّ من صحته ، وهو تجاوروا وتعاونوا . وقد قالوا أيضا : ثيرة ؛ قال : * صدر النهار يراعى ثيرة رتعا " 1 " *
--> ( 1 ) عجز البيت من البسيط ، وهو للأعشى في ديوانه ص 155 ، وكتاب الجيم 1 / 109 ، وتاج