عثمان بن جني ( ابن جني )

149

الخصائص

باب في مقاييس العربية وهي ضربان : أحدهما معنوىّ والآخر لفظىّ . وهذان الضربان وإن عمّا وفشوا في هذه اللغة ، فإن أقواهما وأوسعهما هو القياس المعنوىّ ؛ ألا ترى أن الأسباب المانعة من الصرف تسعة : واحد منها لفظىّ وهو شبه الفعل لفظا ، نحو أحمد ، ويرمع " 1 " وتنضب ، وإثمد ، وأبلم ، وبقّم " 2 " ، وإستبرق ، والثمانية الباقية كلها معنويّة ؛ كالتعريف ، والوصف ، والعدل ، والتأنيث ، وغير ذلك . فهذا دليل . ومثله اعتبارك باب الفاعل والمفعول به ، بأن تقول : رفعت هذا لأنه فاعل ، ونصبت هذا لأنه مفعول . فهذا اعتبار معنوىّ لا لفظىّ . ولأجله ما كانت العوامل اللفظية راجعة في الحقيقة إلى أنها معنوية ؛ ألا تراك إذا قلت : ضرب سعيد جعفرا ، فإنّ ( ضرب ) لم تعمل في الحقيقة شيئا ؛ وهل تحصل من قولك ضرب إلا على اللفظ بالضاد والراء والباء على صورة فعل ، فهذا هو الصوت ، والصوت مما لا يجوز أن يكون منسوبا إليه الفعل . وإنما قال النحويّون : عامل لفظىّ ، وعامل معنوىّ ؛ ليروك أن بعض العمل يأتي مسبّبا عن لفظ يصحبه ؛ كمررت بزيد ، وليت عمرا قائم ، وبعضه يأتي عاريا من مصاحبة لفظ يتعلق به ؛ كرفع المبتدأ بالابتداء ، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم ؛ هذا ظاهر الأمر ، وعليه صفحة القول . فأما في الحقيقة ومحصول الحديث ، فالعمل من الرفع والنصب والجرّ والجزم إنما هو للمتكلّم نفسه ، لا لشيء غيره . وإنما قالوا : لفظىّ ومعنوىّ لمّا ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ ، أو باشتمال المعنى على اللفظ . وهذا واضح . واعلم أن القياس اللفظىّ إذا تأمّلته لم تجده عاريا من اشتمال المعنى عليه ؛ ألا ترى أنك إذا سئلت عن " إن " من قوله :

--> ( 1 ) اليرمع : حجارة رخوة . ( 2 ) تنضب ، وأبلم ، وبقّم : من الأشجار .