عثمان بن جني ( ابن جني )
144
الخصائص
والآخر إطباق النحويين على أن يقولوا في نحو هذا : إن الضمير قد خرج عن الفعل ، وانفصل من الفعل ؛ وهذا تصريح منهم بأنه متصل أي متصل بالباء العاملة فيه ، فلو كانت التاء في ضربتك هي العاملة في الكاف ، لفسد ذلك ؛ من قبل أن أصل عمل النصب إنما هو للفعل ، وغيره من النواصب مشبه في ذلك بالفعل ، والضمير بالإجماع أبعد شيء عن الفعل ؛ من حيث كان الفعل موغلا في التنكير ، والاسم المضمر متناه في التعريف . بل إذا لم يعمل الضمير في الظرف ولا في الحال - وهما مما تعمل فيه المعاني - كان الضمير من نصب المفعول به أبعد ، وفي التقصير عن الوصول إليه أقعد . وأيضا فإنك تقول : زيد ضرب عمرا ، والفاعل مضمر في نفسك ، لا موجود في لفظك ، فإذا لم يعمل المضمر ملفوظا به ، كان ألا يعمل غير ملفوظ به أحرى وأجدر . وأمّا الاستدلال بنحو ضربتك على شيء غير الموضعين المتقدّمين ، فأن يقول قائل : إنّ الكاف في نحو ضربتك منصوبة بالفعل والفاعل جميعا ، ويقول : إنه متصل بهما كاتصاله بالعامل فيه في نحو إنك قائم ونظيره . وهذا أيضا وإن كان قد ذهب إليه هشام فإنه عندنا فاسد من أوجه : أحدها أنه قد صحّ ووضح أن الفعل والفاعل قد تنزّلا باثني عشر دليلا منزلة الجزء الواحد ، فالعمل إذا إنما هو للفعل وحده ، واتصل به الفاعل فصار جزءا منه ؛ كما صارت النون في نحو لتضربنّ زيدا كالجزء منه ، حتى خلط بها ، وبنى معها . ومنها أن الفعل والفاعل إنما هو معنى ، والمعاني لا تعمل في المفعول به ، إنما تعمل في الظروف . ومن ذلك أن تستدلّ بقول ضيغم " 1 " الأسدىّ : إذا هو لم يخفنى في ابن عمى * - وإن لم ألقه - الرجل الظلوم " 2 " على جواز ارتفاع الاسم بعد إذا الزمانية بالابتداء ؛ ألا ترى أن " هو " من قوله
--> ( 1 ) في اللسان ( ضغم ) " وضيغم : من شعرائهم : قال ابن جنّى : هو ضيغم الأسدىّ " . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لضيغم الأسدي في لسان العرب ( ظلم ) . وتاج العروس ( ظلم ) .