عثمان بن جني ( ابن جني )
145
الخصائص
" إذا هو لم يخفنى " ضمير الشأن والحديث ؛ وأنه مرفوع لا محالة . فلا يخلو رفعه من أن يكون بالابتداء كما قلنا ، أو بفعل مضمر . فيفسد أن يكون مرفوعا بفعل مضمر ؛ لأن ذلك المضمر لا دليل عليه ، ولا تفسير له ؛ وما كانت هذه سبيله لم يجز إضماره . فإن قلت : فلم لا يكون قوله " لم يخفنى في ابن عمى الرجل الظلوم " تفسيرا للفعل الرافع ل " هو " ؟ كقولك : إذا زيد لم يلقني غلامه فعلت كذا ، فترفع زيدا بفعل مضمر يكون ما بعده تفسيرا له . قيل : هذا فاسد من موضعين : أحدهما أنا لم نر هذا الضمير على شريطة التفسير عاملا فيه فعل محتاج إلى تفسير . فإذا أدّى هذا القول إلى ما لا نظير له ، وجب رفضه واطّراح الذهاب إليه . والآخر أن قولك " لم يخفنى الرجل الظلوم " إنما هو تفسير ل " هو " ، من حيث كان ضمير الشأن والقصّة لا بدّ له أن تفسره الجملة ؛ نحو قول اللّه عز وجل : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [ الإخلاص : 1 ] فقولنا ( اللّه أحد ) تفسير ل " هو " . وكذلك قوله تعالى : فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ [ الحج : 46 ] فقولك : ( لا تعمى الأبصار ) تفسير ل " ها " ، من قولك : فإنها ، من حيث كانت ضمير القصّة . فكذلك قوله : " لم يخفنى الرجل الظلوم " إنما هذه الجملة تفسير ل " هو " . فإذا ثبت أن هذه الجملة إنما هي تفسير لنفس الاسم المضمر بقي ذلك الفعل المضمر لا دليل عليه ؛ وإذا لم يقم عليه دليل بطل إضماره ؛ لما في ذلك من تكليف علم الغيب . وليس كذلك ( إذا زيد قام أكرمتك ) ونحوه ؛ من قبل أن زيدا تامّ ، غير محتاج إلى تفسير . فإذا لم يكن محتاجا إليه صارت الجملة بعده تفسيرا للفعل الرافع له ، لا له نفسه . فإذا ثبت بما أوردناه ما أردناه ، علمت وتحقّقت أن " هو " من قوله " إذا هو لم يخفنى الرجل الظلوم " مرفوع بالابتداء لا بفعل مضمر . وفي هذا البيت تقوية لمذهب أبى الحسن في إجازته الرفع بعد إذا الزمانية بالابتداء في نحو قوله تعالى إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ [ الانشقاق : 1 ] و إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ [ التكوير : 1 ] .