عثمان بن جني ( ابن جني )

126

الخصائص

لاحتجت أن تقول : إن يقم زيد أو عمرو أو جعفر أو قاسم ونحو ذلك ، ثم تقف حسيرا مبهورا ، ولمّا تجد إلى غرضك سبيلا . وكذلك بقية أسماء العموم في غير الإيجاب : نحو أحد ، وديّار ، وكتيع ، وأرم ، وبقية الباب . فإذا قلت : هل عندك أحد أغناك ذلك عن أن تقول : هل عندك زيد ، أو عمرو ، أو جعفر ، أو سعيد ، أو صالح ، فتطيل ، ثم تقصر إقصار المعترف الكليل ، وهذا وغيره أظهر أمرا ، وأبدى صفحة وعنوانا . فجميع ما مضى وما نحن بسبيله ، مما أحضرناه ، أو نبهنا عليه فتركناه ، شاهد بإيثار القوم قوّة إيجازهم ؛ وحذف فضول كلامهم . هذا مع أنهم في بعض الأحوال قد يمكّنون ويحتاطون ، وينحطّون في الشّق " 1 " الذي يؤمّون ، وذلك في التوكيد نحو جاء القوم أجمعون ، أكتعون ، أبصعون ، أبتعون ؛ وقد قال جرير : تزوّد مثل زاد أبيك فينا * فنعم الزاد زاد أبيك زادا " 2 " فزاد الزاد في آخر البيت توكيدا لا غير . وقيل لأبى عمرو : أكانت العرب تطيل ؟ فقال : نعم لتبلغ . قيل : أفكانت توجز ؟ قال : نعم ليحفظ عنها . واعلم أن العرب - مع ما ذكرنا - إلى الإيجاز أميل ، وعن الإكثار أبعد . ألا ترى أنها في حال إطالتها وتكريرها مؤذنة باستكراه تلك الحال وملالها ، ودالّة على أنها إنما تجشّمتها لما عناها هناك وأهمّها ؛ فجعلوا تحمّل ما في ذلك على العلم بقوّة الكلفة فيه ، دليلا على إحكام الأمر فيما هم عليه . ووجه ما ذكرناه من ملالتها الإطالة - مع مجيئها بها للضرورة الداعية إليها - أنهم لما أكّدوا فقالوا : أجمعون ، أكتعون ، أبصعون ، أبتعون ؛ لم يعيدوا أجمعون

--> ( 1 ) يقال : انحطت الناقة في سيرها : أسرعت ، يقال ذلك للنجيبة السريعة " وينحطون في الشق الذي يؤمون " أي يجتهدون فيه . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لجرير في خزانة الأدب 9 / 394 - 399 ، والدرر 5 / 210 ، وشرح شواهد الإيضاح ص 109 ، وشرح شواهد المغنى ص 57 ، وشرح المفصل 7 / 2132 ، ولسان العرب ( زود ) ، والمقاصد النحوية 4 / 30 ، وبلا نسبة في شرح الأشمونى 1 / 267 ، وشرح شواهد المغنى ص 862 ، وشرح ابن عقيل ص 456 ، ومغنى اللبيب ص 462 ، والمقتضب 2 / 150 .