عثمان بن جني ( ابن جني )

127

الخصائص

البتة ، فيكرروها فيقولوا : أجمعون ، أجمعون ، أجمعون ، أجمعون ، فعدلوا عن إعادة جميع الحروف إلى البعض ، تحاميا - مع الإطالة - لتكرير الحروف كلها . فإن قيل : فلم اقتصروا على إعادة العين وحدها ، دون سائر حروف الكلمة ؟ قيل : لأنها أقوى في السجعة من الحرفين اللذين قبلها ، وذلك أنها لام ، فهي قافية ، لأنها آخر حروف الأصل ، فجىء بها لأنها مقطع الأصول ، والعمل في المبالغة والتّكرير إنما هو على المقطع ، لا على المبدأ ، ولا المحشى . ألا ترى أن العناية في الشعر إنما هي بالقوافى لأنها المقاطع ، وفي السجع كمثل ذلك . نعم ، وآخر السجعة والقافية أشرف عندهم من أوّلها ، والعناية بها أمسّ ، والحشد عليها أوفى وأهمّ . وكذلك كلما تطرّف الحرف في القافية ازدادوا عناية به ، ومحافظة على حكمه . ألا تعلم كيف استجازوا الجمع بين الياء والواو ردفين ، نحو : سعيد ، وعمود . وكيف استكرهوا اجتماعهما وصلين ، نحو قوله : " الغراب الأسود و " مع قوله أو " مغتدى " وقوله في " غدى " وبقية قوافيها ، وعلة جواز اختلاف الردف وقبح اختلاف الوصل هو حديث التقدم والتأخر لا غير . وقد أحكمنا هذا الموضع في كتابنا المعرب - وهو تفسير قوافى أبى الحسن - بما أغنى عن إعادته هنا . فلذلك جاءوا لمّا كرهوا إعادة جميع حروف أجمعين بقافيتها ، وهي العين ؛ لأنها أشهر حروفها ؛ إذ كانت مقطعا لها . فأما الواو والنون فزائدتان لا يعتدّان لحذفهما في أجمع وجمع ، وأيضا فلأن الواو قد تترك فيه إلى الياء ، نحو أجمعون وأجمعين . وأيضا لثبات النون تارة وحذفها أخرى ، في غير هذا الموضع ، فلذلك لم يعتدّا مقطعا . فإن قلت : إن هذه النون إنما تحذف مع الإضافة ، وهذه الأسماء التوابع ، نحو " أجمعين وبابه " مما لم تسمع إضافته فالنون فيها ثابتة على كل حال ، فهلا اقتصر عليها ، وقفّيت الكلم كلّها بها . قيل : إنها وإن لم يضف هذا الضرب من الأسماء ، فإن إضافة هذا القبيل من الكلم في غير هذا الموضع مطّردة منقادة ؛ نحو : مسلموك ، وضاربو زيد ، وشاتمو جعفر ، فلما كان الأكثر فيما جمع بالواو والنون إنما هو جواز إضافته حمل الأقل