عثمان بن جني ( ابن جني )
125
الخصائص
أراد المنازل . وقول الآخر : حين ألقت بقباء بركها * واستحرّ القتل في عبد الأشل " 1 " يريد عبد الأشهل من الأنصار ، وقول أبى دواد : يذرين جندل حائر لجنوبها * فكأنما تذكى سنابكها الحبا " 2 " أي تصيب بالحصى في جريها جنوبها ، وأراد الحباحب ، وقال الأخطل : أمست مناها بأرض ما يبلغها * بصاحب الهمّ إلا الجسرة الأجد " 3 " قالوا : يريد منازلها ، ويجوز أن يكون مناها قصدها . ودع هذا كلّه ، ألم تسمع إلى ما جاءوا به من الأسماء المستفهم بها ، والأسماء المشروط بها ، كيف أغنى الحرف الواحد عن الكلام الكثير ، المتناهى في الأبعاد والطول ؛ فمن ذلك قولك : كم مالك ، ألا ترى أنه قد أغناك ذلك عن قولك : أعشرة مالك ، أم عشرون ، أم ثلاثون ، أم مائة ، أم ألف ، فلو ذهبت تستوعب الأعداد لم تبلغ ذلك أبدا ؛ لأنه غير متناه ؛ فلما قلت : " كم " أغنتك هذه اللفظة الواحدة عن تلك الإطالة غير المحاط بآخرها ، ولا المستدركة . وكذلك أين بيتك ؛ قد أغنتك " أين " عن ذكر الأماكن كلها . وكذلك من عندك ؛ قد أغناك هذا عن ذكر الناس كلهم . وكذلك متى تقوم ؛ قد غنيت بذلك عن ذكر الأزمنة على بعدها . وعلى هذا بقية الأسماء من نحو : كيف ، وأىّ ، وأيان ، وأنّى . وكذلك الشرط في قولك : من يقم أقم معه ؛ فقد كفاك ذلك من ذكر جميع الناس ، ولولا هو
--> ( 1 ) البيت من الرمل ، وهو لعبد اللّه بن الزبعرى في ديوانه ص 42 ، ولسان العرب ( برك ) ، وتاج العروس ( برك ) ، ( قبا ) ، ( شهل ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( شهل ) ، وأساس البلاغة ( حرر ) . والبرك : وسط الصدر ، وابترك القوم في القتال جثوا على الركب واقتتلوا ابتراكا . ( 2 ) البيت من الكامل ، وهو بلا نسبة في لسان العرب ( حبحب ) وفيه " إنما أراد الحباحب ، أي نار الحباحب ، يقول : تصيب بالحصى في جريها جنوبها . يقال للخيل إذا أورت النار بحوافرها : هي نار الحباحب ، والحباحب : طائر يطير فيما بين المغرب والعشاء ، كأنه شرارة . وفي تاج العروس ( حبب ) ويروى : جائر بدلا من حائر . ( 3 ) البيت من البسيط . وهو للأخطل في ديوانه ص 47 ، ولسان العرب ( نزل ) ، ( منى ) ، وكتاب الجيم 3 / 237 ، وتاج العروس ( منا ) .