عثمان بن جني ( ابن جني )
114
الخصائص
الجواب ، من علة امتناعهم من تحميل الأصل الذي استعملوا بعض مثله ورفضهم بعضا ، نحو امتناعهم أن يأتوا في الرباعي بمثال فعلل ، وفعلل ، وفعلل - في غير قول أبى الحسن - فجوابه نحو من الذي قدّمناه : من تحاميهم فيه الاستثقال ، وذلك أنهم كما حموا أنفسهم من استيعاب جميع ما تحتمله قسمة تراكيب الأصول ، من حيث قدّمنا وأرينا ، كذلك أيضا توقّفوا عن استيفاء جميع تراكيب الأصول ؛ من حيث كان انتقالك في الأصل الواحد رباعيّا كان ، أو خماسيّا ، من مثال إلى مثال ، في النقص والاختلال ، كانتقالك في المادة الواحدة من تركيب إلى تركيب ، أعنى به حال التقديم والتأخير ، لكن الثلاثيّ جاء فيه لخفّته جميع ما تحتمله القسمة ، وهي الاثنا عشر مثالا ، إلا مثالا واحدا فإنه رفض أيضا لما نحن عليه من حديث الاستثقال ؛ وهو فعل ؛ وذلك لخروجهم فيه من كسر إلى ضمّ . وكذلك ما امتنعوا من بنائه في الرباعي - وهو فعلل - هو لاستكراههم الخروج من كسر إلى ضمّ ، وإن كان بينهما حاجز لأنه ساكن ، فضعف لسكونه عن الاعتداد به حاجزا ؛ على أن بعضهم حكى زئبر " 1 " ، وضئبل " 2 " ، وخرفع " 3 " ، وحكيت عن بعض البصريين " إصبع " وهذه ألفاظ شاذّة ، لا تعقد بابا ، ولا يتخذ مثلها قياسا . وحكى بعض الكوفيين ما رأيته مذ ستّ ؛ وهذا أسهل - وإن كان لا حاجز بين الكسر والضم - من حيث كانت الضمّة غير لازمة ، لأن الوقف يستهلكها . ولأنها أيضا من الشذوذ بحيث لا يعقد عليها باب . فإن قلت : فما بالهم كثر عنهم باب فعل ، نحو عنق ، وطنب ، وقلّ عنهم باب فعل ، نحو إبل وإطل مع أن الضمة أثقل من الكسرة ؟ فالجواب عنه من موضعين : أحدهما أن سيبويه قال : " واعلم أنه قد يقلّ الشئ في كلامهم ، وغيره أثقل منه ، كل ذلك لئلا يكثر في كلامهم ما يستثقلون " فهذا قول ، والآخر أن الضمّة وإن كانت أثقل من الكسرة ، فإنها أقوى منها ؛ وقد يحتمل للقوّة ما لا يحتمل للضعف ؛ ألا ترى إلى احتمال الهمزة مع ثقلها للحركات ، وعجز الألف عن احتمالهن ، وإن كانت خفيفة لضعفها ، وقوة الهمزة . وإنما ضعفت الكسرة عن الضمة لقرب الياء من الألف ، وبعد الواو عنها .
--> ( 1 ) الزئبر : ما يعلو الثوب الجديد . ( 2 ) الضئبل : الداهية . ( 3 ) خرفع : القطن .