عثمان بن جني ( ابن جني )
104
الخصائص
الشريعة فيها ، وكثرة الخلاف في مباديها ، ولا تقطع فيها بيقين ، ولا من الواضع لها ، ولا كيف وجه الحكمة في كثير مما أريناه آنفا من حالها ، وما هذه سبيله لا يبلغ شأو ما عرف الآمر به - سبحانه وجلّ جلاله - وشهدت النفوس ، واطّردت المقاييس على أنه أحكم الحاكمين سبحانه . انقضى السؤال . قيل : لعمري إن هذه أسئلة ، تلزم من نصب نفسه لما نصبنا أنفسنا من هذا الموقف له . وهاهنا أيضا من السؤالات أضعاف هذه الموردة ، وأكثر من أضعاف ذلك ، ومن أضعاف أضعافه ؛ غير أنه لا ينبغي أن يعطى فيها باليد . بل يجب أن ينعم الفكر فيها ، ويكاس في الإجابة عنها . فأوّل ذلك أنا لسنا ندّعى أن علل أهل العربية في سمت العلل الكلامية البتة ، بل ندّعى أنها أقرب إليها من العلل الفقهيّة ، وإذا حكّمنا بديهة العقل ، وترافعنا إلى الطبيعة والحسّ ، فقد وفّينا الصنعة حقّها ، وربأنا " 1 " بها أفرع مشارفها . وقد قال سيبويه : وليس شيء مما يضطرّون إليه ، إلا وهم يحاولون به وجها . وهذا أصل يدعو إلى البحث عن علل ما استكرهوا عليه ؛ نعم ويأخذ بيدك إلى ما وراء ذلك ، فتستضيء به وتستمدّ التنبّه على الأسباب المطلوبات منه . ونحن نجيب عما مضى ، ونورد معه ، وفي أثنائه ما يستعان به ، ويفزع فيما يدخل من الشبه إليه ، بمشيئة اللّه وتوفيقه . أمّا إهمال ما أهمل ، مما تحتمله قسمة التركيب في بعض الأصول المتصوّرة ، أو المستعملة ، فأكثره متروك للاستثقال ، وبقيته ملحقة به ، ومقفّاة على إثره . فمن ذلك ما رفض استعماله لتقارب حروفه ؛ نحو سص ، وطس ، وظث ، وثظ ، وضش ، وشض ؛ وهذا حديث واضح لنفور الحس عنه ، والمشقة على النفس لتكلفه . وكذلك نحو قج ، وجق ، وكق ، وقك ، وكج ، وجك . وكذلك حروف الحلق : هي من الائتلاف أبعد ؛ لتقارب مخارجها عن معظم الحروف ، أعنى حروف الفم . فإن جمع بين اثنين منها قدّم الأقوى على الأضعف ؛ نحو أهل ، وأحد ، وأخ ، وعهد ، وعهر ؛ وكذلك متى تقارب الحرفان لم يجمع بينهما ، إلا بتقديم الأقوى منهما ؛ نحو أرل ، ووتد ، ووطد . يدل على أن الراء أقوى من اللام أن القطع عليها أقوى من القطع على اللام . وكأن ضعف اللام إنما أتاها لما
--> ( 1 ) المشارف : الأعالي ، وأفرع : أعلى ، وربأ الجبل : علاه .