عثمان بن جني ( ابن جني )

105

الخصائص

تشربه من الغنّة عند الوقوف عليها ، ولذلك لا تكاد تعتاص " 1 " اللام ، وقد ترى إلى كثرة اللثغة في الراء في الكلام ، وكذلك الطاء ، والتاء : هما أقوى من الدال ؛ وذاك لأن جرس الصوت بالتاء ، والطاء ، عند الوقوف عليهما أقوى منه وأظهر عند الوقوف على الدال . وأنا أرى أنهم إنما يقدّمون الأقوى من المتقاربين ، من قبل أن جمع المتقاربين يثقل على النفس ، فلما اعتزموا النطق بهما قدّموا أقواهما ، لأمرين : أحدهما أن رتبة الأقوى أبدا أسبق وأعلى ؛ والآخر أنهم إنما يقدّمون الأثقل ويؤخّرون الأخفّ من قبل أن المتكلم في أوّل نطقه أقوى نفسا ، وأظهر نشاطا ، فقدّم أثقل الحرفين ، وهو على أجمل الحالين ، كما رفعوا المبتدأ لتقدّمه ، فأعربوه بأثقل الحركات وهي الضمة ، وكما رفعوا الفاعل لتقدمه ، ونصبوا المفعول لتأخّره ، فإنّ هذا أحد ما يحتجّ به في المبتدأ ، والفاعل . فهذا واضح كما تراه . وأما ما رفض أن يستعمل وليس فيه إلا ما استعمل من أصله فعنه السؤال ، وبه الاشتغال . وإن أنصفت نفسك فيما يرد عليك فيه حليت به وأنقت " 2 " له ، وإن تحاميت الإنصاف ، وسلكت سبيل الانحراف ، فذاك إليك ، ولكن جنايته عليك . " جواب قوى " : اعلم أن الجواب عن هذا الباب تابع لما قبله ، وكالمحمول على حكمه . وذلك أن الأصول ثلاثة : ثلاثي ، ورباعي ، وخماسي . فأكثرها استعمالا ، وأعدلها تركيبا ، الثلاثي . وذلك لأنه حرف يبتدأ به ، وحرف يحشى به ، وحرف يوقف عليه . وليس اعتدال الثلاثي لقلة حروفه حسب ؛ لو كان كذلك لكان الثنائي أكثر منه ؛ لأنه أقل حروفا ، وليس الأمر كذلك ؛ ألا ترى أن جميع ما جاء من ذوات الحرفين جزء لا قدر له فيما جاء من ذوات الثلاثة ؛ نحو من وفي ، وعن ، وهل ، وقد ، وبل ، وكم ، ومن ، وإذ ، وصه ، ومه . ولو شئت لأثبتّ جميع ذلك في هذه الورقة . والثلاثي عاريا من الزيادة ، وملتبسا بها ، مما يبعد تداركه ، وتتعب الإحاطة به . فإذا ثبت ذلك عرفت منه ، وبه أنّ ذوات الثلاثة لم تتمكن في الاستعمال لقلة عددها حسب ؛ ألا ترى إلى قلة الثنائي ؛ وأقلّ منه ما جاء على

--> ( 1 ) في بعض النسخ ( تعتاض ) بالضاد المعجمة ، وهو تحريف . وأصل الكلمة من العوض وهو ضد الإمكان واليسر والكلمة العوصاء : الغريبة ، وقد اعتاص وأعوص في المنطق غمّضه . اللسان ( عوص ) . ( 2 ) أنق بالشئ ، وبه : أعجب به وسرّ .