عثمان بن جني ( ابن جني )

103

الخصائص

سؤال [ قوىّ ] : فإن قلت : فقد نجد في اللغة أشياء كثيرة غير محصاة ولا محصّلة ، لا نعرف لها سببا ، ولا نجد إلى الإحاطة بعللها مذهبا . فمن ذلك إهمال ما أهمل ، وليس في القياس ما يدعو إلى إهماله ؛ وهذا أوسع من أن يحوج إلى ذكر طرف منه ؛ ومنه الاقتصار في بعض الأصول على بعض المثل " 1 " ، ولا نعلم قياسا يدعو إلى تركه ؛ نحو امتناعهم أن يأتوا في الرباعي بمثال فعلل أو فعلل ، أو فعلّ أو فعلّ ، أو فعلّ ، ونحو ذلك . وكذلك اقتصارهم في الخماسىّ على الأمثلة الأربعة دون غيرها مما تجوّزه القسمة . ومنه أن عدلوا فعلا عن فاعل ، في أحرف محفوظة . وهي ثعل ، وزحل ، وغدر ، وعمر ، وزفر ، وجشم ، وقثم ، وما يقلّ تعداده . ولم يعدلوا في نحو مالك ، وحاتم ، وخالد ، وغير ذلك ، فيقولوا : ملك ولا حتم ، ولا خلد . ولسنا نعرف سببا أوجب هذا العدل في هذه الأسماء التي أريناكها ، دون غيرها ؛ فإن كنت تعرفه فهاته . فإن قلت : إن العدل ضرب من التصرف ، وفيه إخراج للأصل عن بابه إلى الفرع ؛ وما كانت هذه حاله أقنع منه البعض ولم يجب أن يشيع في الكل . قيل : فهبنا سلّمنا ذلك لك تسليم نظر ، فمن لك بالإجابة عن قولنا : فهلا جاء هذا العدل في حاتم ، ومالك ، وخالد ، وصالح ، ونحوها ؛ دون ثاعل ، وزاحل ، وغادر ، وعامر ، وزافر ، وجاشم ، وقاثم ؟ ألك هاهنا نفق فتسلكه ، أو مرتفق " 2 " فتتورّكه ؟ وهل غير أن تخلد إلى حيرة الإجبال " 3 " ، وتخمد نار الفكر حالا على حال ؟ ولهذا ألف نظير ، بل ألوف كثيرة ندع الإطالة بأيسر اليسير منها . وبعد فقد صحّ ووضح أن الشريعة إنما جاءت من عند اللّه تعالى ؛ ومعلوم أنه سبحانه لا يفعل شيئا إلا ووجه المصلحة والحكمة قائم فيه ، وإن خفيت عنا أغراضه ومعانيه ، وليست كذلك حال هذه اللغة ؛ ألا ترى إلى قوّة تنازع أهل

--> ( 1 ) يقصد بالمثل هنا ( الصيغ ) وقد كرر هذا المصطلح كثيرا مرادا به الصيغ وسيأتي بهذا المعنى أيضا في الجزء الثاني في باب ( إمساس الألفاظ أشباه المعاني ) . ( 2 ) المرتفق : المتكأ . فتتورّكه : تعتمد عليه ، والأصل في هذا أن يقال : تورك عليه ؛ وضع وركه عليه . ( 3 ) الإجبال : الانقطاع ، من قولهم أجبل الحافر إذا أفضى إلى الجبل أو الصخر الذي لا يحيك فيه المعول . اللسان ( جبل ) .