عثمان بن جني ( ابن جني )
102
الخصائص
وكذلك إيجاب اللّه الحج على مستطيعه ؛ لما في ذلك من تكليف المشقّة ؛ ليستحقّ عليها المثوبة ، وليكون أيضا دربة للناس على الطاعة ، وليشتهر به أيضا حال الإسلام ، ويدلّ به على ثباتها واستمرار العمل بها ، فيكون أرسخ له ، وأدعى إلى ضمّ نشر " 1 " الدين ، وفثء " 2 " كيد المشركين . وكذلك نظائر هذا كثيرة جدا . فقد ترى إلى معرفة أسبابه كمعرفة أسباب ما اشتملت عليه علل الإعراب ، فلم جعلت علل الفقه أخفض رتبة من علل النحو ؟ قيل له : ما كانت هذه حاله من علل الفقه فأمر لم يستفد من طريق الفقه ، ولا يخصّ حديث الفرض والشرع ، بل هو قائم في النفوس قبل ورود الشريعة به ؛ ألا ترى أن الجاهلية الجهلاء كانت تحصّن فروج مفارشها ، وإذا شكّ الرجل منهم في بعض ولده لم يلحقه به ، خلقا قادت إليه الأنفة والطبيعة ، ولم يقتضه نصّ ولا شريعة . وكذلك قول اللّه تعالى وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ [ التوبة : 6 ] قد كان هذا من أظهر شيء معهم ، وأكثره في استعمالهم ، أعنى حفظهم للجار ، ومدافعتهم عن الذّمار " 3 " ، فكأن الشريعة إنما وردت فيما هذه حاله بما كان معلوما معمولا به ، حتى إنها لو لم ترد بإيجابه ، لما أخلّ ذلك بحاله ، لاستمرار الكافّة على فعاله . فما هذه صورته من عللهم جار مجرى علل النحويين . ولكن ليت شعري من أين يعلم وجه المصلحة في جعل الفجر ركعتين ، والظهر والعصر أربعا أربعا ، والمغرب ثلاثا ، والعشاء الآخرة أربعا ؟ ومن أين يعلم علة ترتيب الأذان على ما هو عليه ؟ وكيف تعرف علة تنزيل مناسك الحج على صورتها ، ومطّرد العمل بها ؟ ونحو هذا كثير جدّا . ولست تجد شيئا مما علّل به القوم وجوه الإعراب إلا والنفس تقبله ، والحسّ منطو على الاعتراف به ؛ ألا ترى أن عوارض ما يوجد في هذه اللغة شيء سبق وقت الشرع ، وفزع في التحاكم فيه إلى بديهة الطبع ؛ فجميع علل النحو إذا مواطئة للطباع ، وعلل الفقه لا ينقاد جميعها هذا الانقياد . فهذا فرق .
--> ( 1 ) النشر : المنتشر ، يقال : ضم اللّه نشرك . ( 2 ) الفثء : الكسر ، ويقال : فثأ اللّه عنك الشر : كفه . وفي نسخة ( فثّ ) ، يقال : فثّ الماء الحارّ بالبارد : كسره وسكّنه ، فهو قريب من الأوّل . ( 3 ) الذمار - بزنة كتاب - : ما لزمك حفظه مما يتعلق بك .