عثمان بن جني ( ابن جني )
101
الخصائص
قال أبو إسحاق " 1 " في رفع الفاعل ، ونصب المفعول : إنما فعل ذلك للفرق بينهما ، ثم سأل نفسه فقال : فإن قيل : فهلا عكست الحال فكانت فرقا أيضا ؟ قيل : الذي فعلوه أحزم ؛ وذلك أن الفعل لا يكون له أكثر من فاعل واحد ، وقد يكون له مفعولات كثيرة ، فرفع الفاعل لقلته ، ونصب المفعول لكثرته ، وذلك ليقلّ في كلامهم ما يستثقلون ، ويكثر في كلامهم ما يستخفّون . فجرى ذلك في وجوبه ، ووضوح أمره ، مجرى شكر المنعم ، وذم المسئ في انطواء الأنفس عليه ، وزوال اختلافها فيه ، ومجرى وجوب طاعة القديم سبحانه ، لما يعقبه من إنعامه وغفرانه . ومن ذلك قولهم : إن ياء نحو ميزان ، وميعاد ، انقلبت عن واو ساكنة ؛ لثقل الواو الساكنة بعد الكسرة . وهذا أمر لا لبس في معرفته ، ولا شكّ في قوة الكلفة في النطق به . وكذلك قلب الياء في موسر ، وموقن واوا ؛ لسكونها وانضمام ما قبلها . ولا توقف في ثقل الياء الساكنة بعد الضمة ؛ لأن حالها في ذلك حال الواو الساكنة بعد الكسرة ؛ وهذا - كما تراه - أمر يدعو الحسّ إليه ، ويحدو طلب الاستخفاف عليه . وإذا كانت الحال المأخوذ بها ، المصير بالقياس إليها ، حسّيّة طبيعية ، فناهيك بها ولا معدل بك عنها . ومن ذلك قولهم في سيّد ، وميّت ، وطويت طيّا ، وشويت شيّا : إن الواو قلبت ياء لوقوع الياء الساكنة قبلها في سيّد ، وميّت ، ووقوع الواو الساكنة قبل الياء في شيّا وطيّا . فهذا أمر هذه سبيله أيضا ؛ ألا ترى إلى ثقل اللفظ بسيود وميوت وطويا وشويا ، وأنّ سيّدا ، وميّتا ، وطيّا ، وشيّا ، أخفّ على ألسنتهم من اجتماع الياء والواو مع سكون الأوّل منهما . فإن قلت : فقد جاء عنهم نحو حيوة " 2 " ، وضيون ، وعوى الكلب عوية ، فسنقول في هذا ونظائره ، في باب يلي هذا ، باسم اللّه . وأشباه هذا كثيرة جدّا . فإن قلت : فقد نجد أيضا في علل الفقه ما يضح أمره ، وتعرف علته ؛ نحو رجم الزاني إذا كان محصنا ، وحدّه إذا كان غير محصن ؛ وذلك لتحصين الفروج ، وارتفاع الشكّ في الأولاد والنسل . وزيد في حدّ المحصّن على غيره لتعاظم جرمه ، وجريرته على نفسه . وكذلك إقادة القاتل بمن قتله لحقن الدماء .
--> ( 1 ) هو الزجاج . ( 2 ) حيوة من الأعلام ، والضيون : السنور الذكر .