ابن حجة الحموي
51
خزانة الأدب وغاية الأرب
في هذه العصور رغم اندماجه وتلاشيه في ثنايا البلاغة عامّة ، وكتب البديع خاصّة ، كما أنّ له الفضل في تقييم نتاج شعراء عصره بقيم نقديّة هي أقرب ما تكون إلى النقد الصحيح في عصر يكاد يخلو من النقاد ذوي الذوق السليم ، فكان ابن حجّة ناقدا يتلاءم مع عصره ومع قيمة الأدب الذي ساد فيه . ويرى محمود الربداوي أن لا غرابة في أن يصل النقد في ذاك العصر إلى الدرجة التي وصل إليها ، ذلك أنّ الشاعر هو نفسه الناقد ، والناقد هو الشاعر ، ولا يسعنا إلّا أن نقول للشاعر : « فيك الخصام وأنت الخصم والحكم » « 1 » . ح - شخصيّته وأقوال النّاس فيه : لعلّ أوّل صفة تتميز بها شخصية ابن حجّة هي العصاميّة ، إذ لم يكن ينحدر من أسرة عريقة ، أو ذات منزلة في العلم والأدب ، بل كان كلّ ما فعله أبواه له أن علّماه القرآن الكريم ، ثم دفعا به إلى العمل في مهنة الحرير وعقد الأزرار ، إلّا أن نفسه أبت عليه ذلك ، وسمت إلى الاشتغال بالعلم والأدب ، فراح يثقّف نفسه بنفسه ويتردّد إلى أهل العلم وشيوخ الأدب ، ويرحل من قطر إلى قطر ، ويتعرّف على أرباب الأقلام والمثقفين كالقضاة والكتّاب والأدباء حتى حذق الأدب وثقفه ، كل ذلك بفضل عصاميّته التي أصبح بها جديرا بالاحترام والتقدير . وقد أكسبه تنقّله بين الأمصار صفة أخرى وهي أنه بات جوّاب الآفاق ، يحبّ الرحلة من بلد إلى آخر ، ويملّ الإقامة في مكان واحد مدّة طويلة ، وقد دفعت به هذه الصفة إلى حبّ المغامرة ، فعانى الاختفاء أكثر من مرّة في دمشق وحلب ، وهرب مرّة من طرابلس إلى مصر ، وتشدّد في التنكّر لخصومه حتى سدّدوا له نبالهم وأفحشوا فيه القول ، إلّا أنه لم يعبأ بهم . ومن أهمّ صفاته التي تؤخذ عليه أنّه كان معجبا بنفسه معتدّا بها فخورا بتفكيره ، مزهوّا بشعره ، وقد جرّه ذاك الإعجاب وهذا الفخر إلى الحظّ من قدر الآخرين والازدراء بهم ، سواء كانوا أحياء أو أمواتا ، فصفيّ الدين الحليّ وشعره وإنشاؤه ليس بشيء في نظره ، وابن الكويز ليس من الأعلام برأيه ، ولعلّ ازدراءه بالآخرين يبلغ مداه عندما يقرظ قصيدة لشاعر أو رسالة لأديب ، أو حتّى بيتا واحدا من الشعر ، أو صورة بديعة ، أو نوعا من أنواع البديع ورد عند أحد الشعراء . وعندما يصل إلى
--> ( 1 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 229 .