ابن حجة الحموي
50
خزانة الأدب وغاية الأرب
العمدة في حسن الأدب » « 1 » . إلّا أنّه يؤخذ عليه في نقده أنه كان أحيانا إذا أحبّ شاعرا أثنى عليه وإن غضب على آخر تحامل عليه في نقده ، كما فعل في ثنائه على أغلب أصحاب التورية أمثال جمال الدين بن نباتة والمتنبي والوداعيّ والقاضي الفاضل ، وفي تحامله على أصحاب الجناس وعلى رأسهم صلاح الدين الصفديّ ، وابن العطّار وابن الخرّاط . كما أن هناك ظاهرة أخرى تعكس لنا ذوقة الأدبيّ والنقديّ ، ألا وهي ظاهرة الاختيار في الأدب والبلاغة ، لما فيه من روح نقديّة إذ تجمع المتشابه من الأدب في باب ، والمتشابه من شواهد البلاغة في باب آخر . إلّا أنّ ما يميّز ابن حجّة عن غيره من النقّاد أنّه راح يطبّقها على نثر الآخرين وشعرهم كما طبّقه على شعره ونثره ، فمن ينظر في شرحه لبديعيته يجد فيه نزوعه إلى هذا التطبيق الذي يدلّ على فكره النقديّ الجانح إلى التعليل وحسن الاختيار ، والتماس الأسباب للمسبّبات والمعرفة في فقه الألفاظ وتدبّر معانيها ؛ وأمثلة ذلك كثيرة في شرحه ، منها ما ورد في باب « براعة الاستهلال » ، وباب « التخيير » ، وباب « الانسجام » « 2 » . . . ومن أمثلته النقديّة التطبيقية اشتراطه أن يكون الغزل في مطالع المدائح النبويّة محتشما ينسجم مع جلال الممدوح وقدره ، وهذا ما كان قد طبّقه على مدائحه وراح يطبّقه على شعر الآخرين الذين أخلّوا بهذه الشروط « 3 » . ومن آرائه في النقد التطبيقي التي تدلّ على دقّة في النظر وحصافة في الرأي قوله في باب « مراعاة النظير » : « فإنّهم عابوا على أبي نواس قوله ( من المجتثّ ) : وقد حلفت يمينا * مبرورة لا تكذّب بربّ زمزم والحو * ض والصّفا والمحصّب « 4 » فالحوض هنا أجنبيّ من المناسبة لأنّه ما يلائم « المحصّب » و « الصّفا » و « زمزم » ، وإنّما يناسب « الصراط » و « الميزان » ، وما هو منوط بيوم القيامة » « 5 » . ومهما يكن من أمر تلك الآراء النقديّة ، فإنّ لابن حجّة فضلا في امتداد علم النقد
--> ( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 311 . ( 2 ) انظر كلّا في بابه من خزانة الأدب وغاية الأرب . ( 3 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 342 - 347 . ( 4 ) ديوانه ص 80 ؛ وخزانة الأدب وغاية الأرب 2 / 339 . ( 5 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 2 / 339 .