ابن حجة الحموي

49

خزانة الأدب وغاية الأرب

تمام التعبير عمّا يريد ، وإذا عجز عن ذلك هرع إلى ناصر الدين البارزيّ ليشير عليه بآرائه النقديّة وإرشاداته التهذيبيّة ؛ كما كان يأخذ برأي تلميذه النواجيّ في كثير من نظمه ، ولم يكتف ابن حجّة بتطبيق ذلك على الشعر ، بل تجاوزه إلى النثر ، ولهذا فقد فتح بابا في خزانته تحدّث فيه عن « التهذيب والتأديب » وخصّه بالشعر والنثر « 1 » . ومن آرائه النقديّة الجيّدة محاولة تفسيره للشعر بأنّه ابن بيئته وصدى لعصره ، محاولا التماس العذر للشاعر القديم عند استمداده صوره الشعرية من معطيات بيئته ، سواء أكانت هذه المعطيات منسجمة مع الذوق المعاصر أم غير منسجمة . ومن آرائه النقديّة أنه أباح الاستشهاد بكلام المحدثين في علوم البلاغة من معان وبيان وبديع ، بل لا يرى مانعا من الاستشهاد في ذلك بشعر المعاصرين وزجلهم ونثرهم « 2 » . كما يرى ابن حجّة الحمويّ أنّ ظاهرة السرقات الشعرية أصبحت من المسلّمات في عصره ، فلا بدّ إذا من قبولها وإقرارها لشيوعها ، ولا سيّما أن الشاعر السارق لم يعد يخجل لسرقته ، بل كان أجرأ على الاعتراف بالسرقة عمّا كان عليه الشعراء الأوائل ، فهذا ابن الورديّ يقول ( من الوافر ) : وأسرق ما استطعت من المعاني * فإن فقت القديم حمدت سيري وإن ساويت من قبلي فحسبي * مساواة القديم وذا لخيري وإن كان القديم أتمّ معنى * فذلك مبلغي ومطار طيري وإنّ الدّرهم المضروب باسمي * أحبّ إليّ من دينار غيري « 3 » وقد أكثر ابن حجّة من الحديث عن السرقة ، مجيزا السرقة بالمعنى دون اللفظ ، كما تتبّع سرقات معاصريه وبيّنها ، كسرقات ابن نباتة من الوداعيّ ، وسرقات الصفديّ من ابن نباتة « 4 » . ومن آرائه المصيبة في النقد أخذه بعين الاعتبار الحالة النفسيّة للمخاطب ، ولا سيّما في مطلع القصيدة ، إذ يقول فيه : « أوّل شيء يقرع الأسماع ، ويتعيّن على ناظمه النظر في أحوال المخاطبين والممدوحين ، . . . وخطاب الملوك في حسن الابتداء هو

--> ( 1 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 3 / 172 . ( 2 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 314 . ( 3 ) ديوانه ص 264 ؛ و « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 222 . ( 4 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 1 / 353 .