ابن حجة الحموي
45
خزانة الأدب وغاية الأرب
فيجانب بها أحيانا شروط البلاغة . كما أنّ للتكرار مجالا واسعا في شعر ابن حجّة ، سواء كان تكرارا لما قاله شعراء عصره ، أو تكرارا لما جاء في شعره في أماكن متعدّدة ، وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على كسل فكريّ ظاهر عنده ، وعجز عن الابتكار والإبداع . بالإضافة إلى ذلك فقد حفل أدبه بلوازم مهنته كمنشئ في ديوان الإنشاء ، فيأتي على ذكر السطر ، والصفحة ، والنقط والإشكال والإعجام والكتابة والضبط والنسخ والتصحيح . . . ومن خصائص شعره كثرة المقطّعات الصغيرة ، حتى لتكاد تبلغ ثلث ديوانه « 1 » . ومن أهم المميزات السائدة في شعره إكثاره من الضرورات الشعرية حتى لقد بلغت في ديوانه « جنى الجنّتين » ثلاثمائة وخمسا وعشرين ضرورة ، قد أحصاها تلميذه النواجيّ في ما عاد إليه من شعره ؛ منها صرف ما لا ينصرف ، ومدّ المقصور ، وقصر الممدود ، وعدم فكّ الإدغام في آخر الفعل المسند إلى ضمير رفع متحرك ، بل يسير على ما سارت عليه العامة من إضافة ياء بين الإدغام والضمير « 2 » . ولإبراز منزلة ابن حجّة الأدبية والشعريّة بين أدباء عصره وشعرائه لا بدّ من النظر في مجمل الظواهر التي اشترك بها شعراء العصر ، وأهمّها : ظاهرة التصنّع بل الإغراق والتطرّف فيه ، وظاهرة المعارضات ، ولا سيّما لقصائد الشعراء الكبار كالمتنبّي « 3 » ؛ وظاهرة السرقات الشعريّة ، وظاهرة تبادل التقاريظ ؛ فمن خلال تلك الظواهر تبدو منزلة ابن حجّة الكلّية ألا وهي أنه شاعر أديب من أحسن أدباء قرنه ، ومن أوسط شعراء عصره . - ابن حجّة الناقد : لقد عرف الأدب العربيّ النقد منذ العصر الجاهليّ ، وإن كانت أحكامه أحكاما عابرة ، إلّا أنه أخذ يتّسع في العصر العباسيّ ، حتى تسرّبت إليه عناصر أخرى كالبلاغة فامتزجت به ، وقد ظنّ النقّاد الأوائل أنها من صميم النقد ولوازمه ، وهي في الحقيقة من مشوبات النقد ومشوّهاته ؛ ومن هنا راح ابن حجّة الناقد يمزج النقد بالبلاغة في كثير من مؤلّفاته ؛ وهذا لا يعني أنّه لم يترك لنا آراء نقديّة خالصة ، بل يكاد يعتبر ناقد
--> ( 1 ) انظر ديوانه ورقة 72 ب ، 78 أ - 81 أ . ( 2 ) « ابن حجة الحموي شاعرا وناقدا » ص 183 . ( 3 ) وانظر خزانة الأدب وغاية الأرب 2 / 178 .