ابن حجة الحموي

46

خزانة الأدب وغاية الأرب

القرن التاسع الوحيد ، ويمثّل اتجاه النقد في قرنين سابقين وعدّة قرون لا حقة ، وإن كانت آراؤه في النقد البلاغيّ أكثر منها في النقد الأدبيّ الخالص ، بل إنّ النقد الأدبي الخالص لم يرد عنده إلّا في ثنايا حديثه عن النقد البلاغيّ الذي اتّسع بفعل علم البلاغة . وقد اطّلع ابن حجّة على كثير من المؤلّفات البلاغية ولا سيّما البديعيّة التي ألّفت منذ القرن الثاني حتى عصره ، ولمّا أتيح له أن يصنّف « شرحه » على بديعيّته المسمّاة ب « تقديم أبي بكر » كان قد اطلع على أنواع البديع وأجناسه وألوانه في تلك المؤلّفات ، وقد أعجب ببعضها فاستقى مادّة شرحه وشواهده منها ، ولم يعجب ببعضها الآخر فأعرض عنها ، وكان في إقباله على بعضها وإعراضه عن بعضها الآخر متمتّعا بذوق الناقد البلاغيّ الذي يأخذ من هذا المؤلّف لسبب ، ويدع رأي ذاك لسبب ، ويصوّب رأي فلان ويخطّئ رأي آخر ، ويستحسن رأي زيد ويستهجن رأي عمرو ، كلّ ذلك بأسلوب الناقد البديعيّ ، وقد ناقش في مصنّفه هذا الأنواع البديعيّة نوعا نوعا وعلّق عليها ، وخرّج الآراء البلاغية وأحكام سابقيه من ناظمي البديعيات ، ونقد ما قدّموه من شعر وآراء بلاغية . وإذا كان يستفيض في الشرح رغبة منه في التفريع والتقسيم والتنويع ، فإنّه كان يلغي بعض الأنواع الفرعية التي لا يستلطفها ذوقه ، ومما يدلّ على ذلك قوله : « وذكر صاحب الإيضاح للتفريع قسما ثانيا لم يذكره غيره ، ولا نسج على منواله أصحاب البديعيّات فألغيته أيضا ، والشيخ زكيّ الدين بن أبي الإصبع اخترع قسما ثالثا ، ولكن وجدت هذا النوع الذي نحن بصدده أحلى في الأذواق وأوقع في القلوب ، وعلى سننه مشى أصحاب البديعيات ، فألغيت أيضا ما اخترعه ابن أبي الإصبع » « 1 » . ولم يكن ابن حجّة مجرّد مقتف لآراء البلاغيّين في تسميتهم للأنواع ، بل كان ينتقد كبار البلاغيّين لوقوعهم في سقطات ليس من ورائها شديد فائدة ، ففي باب « المراجعة » يبيّن لنا أنه لولا المعارضة لما ذكر هذا النوع في بديعيّته لأنّه نوع تافه « 2 » . ومن هذه الأنواع البديعية التي أنف من الاستفاضة في شرحها في بديعيّته : التفصيل ، وعتاب المرء نفسه ، وتشابه الأطراف ، والمماثلة ، والتصدير « 3 » . . . وبعد

--> ( 1 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 4 / 244 . ( 2 ) انظر خزانة الأدب وغاية الأرب 2 / 197 . ( 3 ) انظر كلّا في بابه من خزانة الأدب وغاية الأرب .