ابن حجة الحموي

44

خزانة الأدب وغاية الأرب

قالوا : صفيّ الدين أشعاره * ما للورى في ظرفها ممشى أهكذا إنشاؤه مسكر * قلت لهم : واللّه ما أنشا « 1 » ثمّ إنّ أدب ابن حجّة قد خلا تماما من « الحكمة » ، وهذا لا يعني أنه عدوّ لها ، بل كان ولوعا بها وقد ذكرها في خزانته تحت عنوان « إرسال المثل » ، وقال في تعريفه : « إرسال المثل نوع لطيف في البديع » « 2 » ، ولعلّ أدبه ، شعرا ونثرا ، لم يستوعب هذا الفنّ لانصرافه إلى إعمال العقل في اقتناص التورية والجناس والطباق وغيرها من ألوان البديع ، حتّى خلا معظم أدبه ، ليس من الحكمة وحسب ، بل من الصورة الشعريّة الرائعة ، والتأليف الشعريّ الجميل الذي يقرّب الكلام المنطوق من الشعور وجمال التعبير ، وروعة التصوير وجلال الفنّ ورونق الإبداع . ومن ينظر في خصائص أدبه الأسلوبية يجد للتورية فيه عناية كبيرة ، إذ راح يفرط في اقتناصها حتى غدت مذهبه ومذهب من سار على نهجهم أمثال القاضي الفاضل وجمال الدين بن نباتة ، واتّسع باب التورية عنده حتى شمل جوانب مختلفة من القرآن الكريم والحديث الشريف والنحو والبلاغة واللغة والعروض والفقه والمنطق ، والشعر ، والقصص التاريخيّ وغيرها « 3 » . ومن سمات شعره حسن المطلع وحسن التخلّص وحسن الختام في القصيدة الواحدة « 4 » . وأبرز مثال على ذلك قصيدته الكافيّة التي قالها في مدح برهان الدين بن جماعة « 5 » . بالإضافة إلى ذلك نجد لاختيار ابن حجّة لقافيته أسبابا منها : اسم الممدوح ، والمعارضة ، وتضمينه بيتا من شعر شاعر معيّن ، ورغبته في استمداد كلمات تصلح لأن تكون قوافي من قصيدة مشابهة . ومن السمات الأسلوبية الشائعة في شعر ابن حجّة إكثاره من استعمال القسم والجارّ والمجرور والظرف وغيرها من الزوائد التي يهدف منها إلى إقامة الوزن ،

--> ( 1 ) ديوانه ورقة 79 ب . ( 2 ) خزانة الأدب وغاية الأرب 2 / 125 . ( 3 ) انظر باب « التورية » في خزانة الأدب وغاية الأرب . ( 4 ) انظر باب « براعة الاستهلال » وباب « حسن التخلّص » وباب « حسن الختام » في خزانة الأدب وغاية الأرب . ( 5 ) ديوانه ورقة 36 ب - 37 ب .