محمد بن يزيد المبرد

610

المقتضب

هذا باب ما يقع في الاستثناء من غير نوع المذكور قبله وذلك قولك : « ما جاءني أحد إلّا حمارا » ، و « ما في القوم أحد إلّا دابّة » . فوجه هذا وحدّه النصب ؛ وذلك لأنّ الثاني ليس من نوع الأوّل ، فيبدل منه ، فتنصبه بأصل الاستثناء على معنى « ولكن » ، واللفظ النصب لما ذكرت لك في صدر الباب . فمن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى « 1 » . ومن ذلك : لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ « 2 » . ف « العاصم » الفاعل ، و « من رحم » « معصوم » ، فهذا خاصّة لا يكون فيه إلّا النصب . وأمّا الأوّل فقد يجوز فيه الرفع ، وهو قول بني تميم . وتفسير رفعه على وجهين : أحدهما : أنّك إذا قلت : « ما جاءني رجل إلّا حمار » ، فكأنّك قلت : « ما جاءني إلّا حمار » ، وذكرت « رجلا » وما أشبهه توكيدا . فكأنّه في التقدير : ما جاءني شيء رجل ولا غيره ، إلّا حمار . والوجه الآخر : أن تجعل « الحمار » يقوم مقام « من جاءني » من « الرجال » على التمثيل ، كما تقول : « عتابك السيف » ، و « تحيّتك الضرب » ، كما قال [ من الوافر ] : وخيل قد دلفت لها بخيل * تحيّة بينهم ضرب وجيع [ 3 ]

--> ( 1 ) الليل : 19 ، 20 . ( 2 ) هود : 43 . [ 3 ] تقدم بالرقم 99 .