محمد بن يزيد المبرد

423

المقتضب

وتقول : « مررت برجل ضارب زيدا » ، فتصفه به ؛ لأنّه نكرة مثله ؛ كما تقول : « مررت برجل يضرب زيدا » . ولو قلت ذلك في اسم الفاعل - إذا أردت ما مضى - لم يقع ذا الموقع ، وذلك أنّك لا تقول : « مررت برجل ضارب زيد » إلّا على البدل ؛ كما لا تقول : « مررت برجل غلام زيد » . وتقول : « مررت بزيد ضاربا عمرا » إذا أردت التي تجرى مجرى الفعل . فإن أردت الأخرى ، قلت : « مررت بزيد ضارب عمرو » ؛ كما تقول : « مررت بزيد غلام عمرو » . * * * واعلم أنّه قد يجوز لك أن تحذف النون والتنوين من التي تجري مجرى الفعل ، لا يكون الاسم إلّا نكرة وإن كانا مضافا إلى معرفة ؛ لأنّك إنّما تحذف النون استخفافا . فلمّا ذهب النون ، عاقبتها الإضافة ، والمعنى معنى ثبات النون . فمن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ « 1 » فلو لم ترد التنوين ، لم يكن صفة ل « هدي » وهو نكرة . ومن ذلك قوله تعالى : هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا « 2 » و ثانِيَ عِطْفِهِ « 3 » ؛ لأنّه نصب على الحال ، لا تكون الحال إلّا نكرة . ومن ذلك قول اللّه عزّ وجلّ : إِنَّا مُرْسِلُوا النَّاقَةِ « 4 » ، فإنّما هذا حكاية قول اللّه عزّ وجلّ قبل إرسالها . وكذلك إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً « 5 » و كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ « 6 » ومن نوّن قال : آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً « 7 » ، و ذائِقَةُ الْمَوْتِ « 8 » ؛ كما قال عزّ وجلّ : وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ « 9 » . وهذا هو الأصل ، وذاك أخفّ وأكثر ، إذ لم يكن ناقضا لمعنى ، وكلاهما في الجودة سواء . قال جرير [ من البسيط ] : يا ربّ غابطنا لو كان يطلبكم * لاقى مباعدة منكم وحرمانا [ 10 ]

--> ( 1 ) المائدة : 95 . ( 2 ) الأحقاف : 24 . ( 3 ) الحج : 9 . ( 4 ) القمر : 27 . ( 5 ) مريم : 93 . ( 6 ) آل عمران : 185 ؛ والأنبياء : 35 ؛ والعنكبوت : 57 . ( 7 ) مريم : 93 . ( 8 ) آل عمران : 185 ؛ والأنبياء : 35 ؛ والعنكبوت : 57 . ( 9 ) المائدة : 2 . [ 10 ] تقدّم بالرقم 324 .