محمد بن يزيد المبرد
385
المقتضب
وكذلك : « لا تدن من الأسد يأكلك » لا يجوز ؛ لأنّك إذا قلت : « لا تدن » ، فإنّما تريد : « تباعد » ، ولو قلت : « تباعد من الأسد يأكلك » - كان محالا ؛ لأنّ تباعده منه لا يوجب أكله إيّاه . ولكن لو رفعت كان جيّدا . تريد : فإنّه ممّا يأكلك . وأمّا قوله : وَقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 1 » وما أشبهه ، فليس « يقولوا » جوابا ل « قل » . ولكنّ المعنى - واللّه أعلم - : قل لعبادي : قولوا يقولوا . وكذلك : قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ « 2 » وإنّما هو : قل لهم يفعلوا يفعلوا . * * * وتقول : « مره يحفرها » ، و « مره يحفرها » . فالرفع على ثلاثة أوجه ، والجزم على وجه واحد ، وهو أجود من الرفع ؛ لأنّه على الجواب كأنّه إن أمرته حفرها . وأمّا الرفع فأحد وجوهه : أن يكون « يحفرها » على قولك : فإنّه ممن يحفرها ، كما كان « لا تدن من الأسد يأكلك » . ويكون على الحال ، كأنّه قال : مره في حال حفره . فلو كان اسما ، لكان : مره حافرا لها . ويكون على شيء هو قليل في الكلام ، وذلك أن تريد : مره أن يحفرها ، فتحذف « أن » وترفع الفعل ؛ لأنّ عامله لا يضمر . وبعض النحويّين من غير البصريّين يجيز النصب على إضمار « أن » . والبصريّون يأبون ذلك إلّا أن يكون منها عوض ؛ نحو : الفاء والواو وما ذكرناه معهما . ونظير هذا الوجه قول طرفة [ من الطويل ] : [ 146 ] - ألا أيهذا الزّاجري أحضر الوغى * وأن أشهد اللّذات هل أنت مخلدي
--> ( 1 ) الإسراء : 53 . ( 2 ) إبراهيم : 31 . [ 146 ] - التخريج : البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 32 ؛ والإنصاف 2 / 560 ؛ وخزانة الأدب 1 / 119 ، 8 / 579 ؛ والدرر 1 / 74 ؛ وسرّ صناعة الإعراب 1 / 285 ؛ وشرح شواهد المغني 2 / 800 ؛ والكتاب 3 / 99 ، 100 ؛ ولسان العرب 13 / 32 ( أنن ) ، 14 / 272 ( دنا ) ؛ والمقاصد النحوية 4 / 402 ؛ وبلا نسبة في خزانة الأدب 1 / 463 ، 8 / 507 ، 580 ، 585 ؛ والدرر 3 / 33 ، 9 / 94 ؛ ورصف المباني ص 113 ؛ وشرح ابن عقيل ص 597 ؛ وشرح المفصل 2 / 7 ، 4 / 28 ، 7 / 52 ؛ ومجالس ثعلب ص 383 ، -