محمد بن يزيد المبرد

303

المقتضب

وأمّا الأفعال التي تقع للأمر ، فلا تضارع المتمكّن ؛ لأنّها لا تقع موقع المضارع ، ولا ينعت بها ؛ فلذلك سكن آخرها . فإن قال قائل : هي معربة مجزومة ؛ لأنّ معناها الأمر ؛ ألا ترى أنّ قولك : « اضرب » بمنزلة قولك : « ليضرب زيد » في الأمر - فقوله ذلك يبطل من وجوه : منها قولك : « صه » ، و « مه » ، و « قدك » في موضع الأمر ، وكذلك : « حذار » ، و « نزال » ، ونحوهما ، فقد يقع الشيء في معنى الشيء ، وليس من جنسه . ومن الدليل على فساد قوله أنّ هذه الأفعال المضارعة في الإعراب كالأسماء المتمكّنة . والأسماء إذا دخلت عليها العوامل ، لم تغيّر أبنيتها ، إنّما تحدث فيها الإعراب . وكذلك هذه الأفعال تلحقها العوامل ، فتحدث لها الإعراب بالزوائد التي لحقتها ، وهي التاء ، والهمزة ، والنون ، والياء اللواتي في « يفعل » ، و « تفعل » ، و « نفعل » ، و « أفعل » . فإذا قلت : « افعل » في الأمر ، لم تلحقها عاملا ، ولم تقررها على لفظها ؛ ألا ترى أنّ الجوازم إذا لحقتها ، لم تغيّر اللفظ ، نحو قولك : « لم يضرب زيد » ، و « إن تذهب أذهب » ، وكذلك : « ليذهب زيد » ، و « لا يذهب عبد اللّه » . فإنّما يلحقها العامل وحروف المضارعة فيها . وأنت إذا قلت : « اذهب » ، فليس فيها عامل ، ولا فيها شيء من حروف المضارعة . فإن قال قائل : الإضمار يعمل فيها . قيل : هذا فاسد من وجهين : أحدهما : أنّ الفعل لا يعمل فيه الإضمار إلّا أن يعوّض من العامل . والثاني : أنّه لو كان ينجزم بجازم مضمر ، لكان حرف المضارعة فيه الذي به يجب الإعراب ؛ لأنّ المضمر كالظاهر . ألا ترى أنّك لو أردت إضمار « لم » - وكان هذا ممّا يجوز - من قولك : « لم يضرب » . فحذفت « لم » لبقيت « يضرب » على لفظها ومعها « لم » . فإن قال قائل : فلم بناه على مقدار المضارعة ؛ نحو : « اضرب » ، و « انطلق » ، فقد كسرت كما تقول : « يضرب » و « ينطلق » . وكذلك : « اقتل » كما تقول : « يقتل » ؟ قيل : إنّما لحقت هذه البنية ؛ لأنّه لما لم يقع ، وكذلك صورة ما لم يقع . فهذا احتجاج مغن ، وفيه ما هو أكثر من هذا . * * *