محمد بن يزيد المبرد

198

المقتضب

ويجيز هؤلاء حذف الهمزة لغير علّة إلّا الاستثقال . وهذا القول في الفساد كالقول الذي قبله . وهم يقولون في جمع " بريء " الذي هو " برآء " على " كريم " و " كرماء " ، و " براء " على " كريم " و " كرام " . فهؤلاء الذين وصفنا يقولون " براء " ، فاعلم ، فيحذفون الهمزة من " برآء " ، ويقولون : الهمزة حرف مستثقل ، فنحذفه ؛ لأنّ فيما أبقينا دليلا على ما ألقينا . ويشبّهون هذا بفاعل إذا قلت : " رجل شاك السلاح " . وليس ذا من ذلك في شيء ؛ لأنّه من قال : " شاك السلاح " ، فإنّما أدخل ألف " فاعل " ، وبعدها الألف التي في الفعل المنقلبة وهي عين ، فتحذف ألف " فاعل " ؛ لالتقاء الساكنين . وقد قال لهم بعض النحويّين : كيف تقولون في مضارع " قريت " ؟ فقالوا : " أقرا " - فقد تركوا قولهم من حيث لم يشعروا ؛ لأنّ من قلب الهمزة فأخلصها ياء لزمه أن يقول : " يقري " ؛ كما تقول : " رميت " " أرمي " ؛ لأنّ " فعل يفعل " إنّما يكون في حروف الحلق . ولو جاز أن تقلب الهمزة إلى حروف اللين لغير علّة ، لجاز أن تقلب الحروف المتقاربة المخارج في غير الإدغام ؛ لأنّها تنقلب في الإدغام ، كما تنقلب الهمزة لعلّة . فإن فعل هذا لغير علّة فليفعل ذلك . ولكن إذا اضطرّ الشاعر ، جاز أن يقلب الهمزة عند الوقف على حركة ما قبلها ، فيخلصها على الحرف الذي منه حركة ما قبلها ؛ كما يجوز في الهمزة الساكنة من التخفيف إن شئت . فمن ذلك قول عبد الرحمن بن حسّان [ من الوافر ] : [ 54 ] - وكنت أذلّ من وتد بقاع * يشجّج رأسه بالفهر واجي

--> ( 54 ) - التخريج : البيت لعبد الرحمن بن حسان في ديوانه ص 18 ؛ والخصائص 3 / 152 ؛ والدرر 4 / 178 ؛ وشرح أبيات سيبويه 2 / 306 ؛ وشرح شواهد الشافية ص 341 ؛ وشرح المفصل 9 / 114 ؛ ولسان العرب 1 / 191 ( وجأ ) ؛ وبلا نسبة في سرّ صناعة الإعراب 3 / 739 ؛ وشرح شافية ابن الحاجب 3 / 49 ؛ والممتع في التصريف 1 / 381 ؛ والمنصف 1 / 76 . اللغة : التاء في ( كنت ) يخاطب بها عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي . القاع : ما استوى من الأرض وصلب . يشجّج : يضرب ويكسر ، وذلك لغرزه في الأرض . الفهر : الحجر ملء الكف . الوجي : أصله : واجئ من ( وجأ الوتد في الأرض ) إذا ضربه ليرسب تحت الأرض . المعنى : يقول الشاعر لمهجوّه : لو لم تكن الخلفاء منكم ، لكنت أذل من وتد في الأرض . -