محمد بن يزيد المبرد

19

المقتضب

الغنى ، والعطاء سبب من أسباب الفقر . قال : وأخبرني بعض من أثق به أنه كان يقول : ما وضعت بحذاء الدرهم شيئا قطّ إلّا رجع الدرهم في نفسي عليه ، هذا مع سعة كان فيها ووجد . قال : وكان ثعلب على مثل ما كان عليه المبرّد في الإمساك ، وفوقه في السّعة ، غير أنّ المبرّد كان يسأل سؤالا صراحا ، وكان ثعلب يعرّض ولا يصرّح . قال : ولولا أني أكره أن أكون عيّابا للعلماء خاصة ، لأخبرتك عنهما من الأخبار التي تزيد على أخبار محمد بن الجهم البرمكيّ ، والكنديّ ، وخالد بن صفوان " " 1 " . وكان حاضر البديهة ، سريع الإجابة على المسائل مهما كانت عويصة ، ولذلك كان يتّهم بالكذب من خصومه الكوفيين . قال المفجّع البصريّ : " كان المبرّد ، لكثرة حفظه للّغة وغريبها ، يتّهم بالوضع فيها ، فتواضعنا على مسألة نسأله عنها لا أصل لها لننظر ما ذا يجيب . وكنا ، قبل ذلك ، تمارينا في عروض بيت الشاعر [ من الطويل ] : أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض " 2 " فقال البعض : هو من البحر الفلانيّ ، وقال آخرون : هو من البحر الفلانيّ ، وتردّد على أفواهنا من تقطيعه : ق بعضنا ، ثمّ ذهبنا إلى المبرّد ، فقلت له : أيّدك اللّه تعالى ، ما القبعض عند العرب ؟ فقال : هو القطن ، وفي ذلك يقول الشاعر [ من الوافر ] : * كأنّ سنامها حشي القبعضا * قال : فقلت لأصحابي : ترون الجواب والشاهد ، فإن كان صحيحا فهو عجب ؛ وإن كان مختلقا على البديهة ، فهو أعجب " " 3 " . وقد هجاه بعض الشعراء واصفينه بالادّعاء والتصحيف والكذب . قال أحمد بن أبي طاهر [ من الخفيف ] : كثرت في المبرّد الآداب * واستقلّت في عقله الألباب غير أنّ الفتى كما زعم النّا * س دعيّ مصحّف كذّاب " 4 "

--> ( 1 ) طبقات النحويين واللغويين ص 114 - 115 . ومحمد بن الجهم البرمكي والكندي وخالد بن صفوان من المشهورين بالبخل . وقد ذكرهم الجاحظ في كتاب البخلاء . ( انظر فهرس أعلام الأشخاص في هذا الكتاب ) . ( 2 ) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 66 . ( 3 ) معجم الأدباء 19 / 112 - 113 . ( 4 ) تاريخ بغداد 4 / 156 .