الفتال النيسابوري

390

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

دموع عينيه ، فحسر عن ذراعيه ثمّ أخذهما فعصر هما فتحدّر الدموع من بين أصابعه ، فنظر زكريّا إلى ابنه وإلى دموع عينيه ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : اللهمّ إنّ هذا ابني ، وهذه دموع عينيه ، وأنت أرحم الراحمين . وكان زكريّا عليه السّلام إذا أراد أن يعظ بني إسرائيل ، وأقبل يحيى قد لفّ رأسه بعباءة فجلس في غمار الناس « 1 » ، والتفت زكريّا يمينا وشمالا ، فلم ير يحيى فأنشأ يقول : حدّثني حبيبي جبرئيل عليه السّلام عن اللّه تبارك وتعالى : أنّ في جهنم جبلا يقال له : السّكران ، في أصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان يغضب « 2 » لغضب الرحمن تبارك وتعالى ، في ذلك الوادي جبّ قامته مائة عام ، في ذلك الجبّ توابيت من نار ، في تلك التوابيت صناديق من نار ، وثياب من نار ، وسلاسل من نار ، وأغلال من نار ، فرفع يحيى رأسه ، فقال : وا غفلتاه من السكران ، ثمّ أقبل هائما على وجهه ، وقام زكريا عليه السّلام من مجلسه فدخل على أمّ يحيى فقال لها : قومي « 3 » يا أمّ يحيى فاطلبي يحيى ؛ فإنّي قد « 4 » تخوّفت أن لا تراه إلّا وقد ذاق الموت . فقامت فخرجت في طلبه حتّى مرّت بفتيان من بني إسرائيل ، فقالوا لها : يا أمّ يحيى ، أين تريدين ؟ قالت : أريد أن أطلب ولدي يحيى ، ذكرت النار بين يديه فهام على وجهه ، فمضت أمّ يحيى والفتية معها حتّى مرّوا « 5 » براعي غنم فقالت له : يا راعي ، هل رأيت شابّا من صفة كذا وكذا ؟ فقال لها : لعلّك تطلبين يحيى بن

--> ( 1 ) غمار الناس : جمعهم المزدحم المتكاثف . ( 2 ) ليس في المخطوط : « يغضب » . ( 3 ) ليس في المخطوط : « قومي » . ( 4 ) ليس في المخطوط : « قد » . ( 5 ) في المخطوط : « مرت » بدل « مرّوا » .