الفتال النيسابوري

196

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

فلمّا كانت الليلة التي ولد فيها « 1 » أمير المؤمنين عليه السّلام أشرقت السماء بضيائها ، وتضاعف نور نجومها ، وأبصرت من ذلك قريش عجبا ، فهاج بعضها في بعض وقالوا : قد حدث في السماء حادثة ، وخرج أبو طالب « 2 » يتخلّل سكك مكّة وأسواقها ، ويقول : يا أيّها الناس ! تمّت حجّة اللّه ، وأقبل الناس يسألونه عن علّة ما يرونه من إشراق السماء وتضاعف نور النجوم ، فقال لهم : أبشروا فقد ظهر في هذه الليلة وليّ من أولياء اللّه ، يكمل اللّه فيه خصال الخير ، ويختم به الوصيّين ، وهو إمام المتّقين ، وناصر الدين ، وقامع المشركين ، وغيظ المنافقين وزين العابدين ، ووصيّ رسول ربّ العالمين ، إمام هدى ، ونجم علا ، ومصباح دجى ، ومبيد الشرك والشبهات ، وهو نفس اليقين ، ورأس الدين . فلم يزل يكرّر هذه الكلمات والألفاظ إلى أن أصبح ، فلمّا أصبح غاب عن قومه أربعين صباحا . قال جابر : فقلت : يا رسول اللّه ، إلى أين غاب ؟ قال : إنّه مضى بطلب المثرم ، وقد مات في جبل اللكّام « 3 » فاكتم يا جابر ؛ فإنّه من أسرار اللّه المكنونة ، وعلومه المخزونة ، وإنّ المثرم كان وصف لأبي طالب كهفا في جبل اللكّام ، وقال له : إنّك تجدني هناك حيّا أو ميّتا ، فلمّا مضى أبو طالب إلى ذلك الكهف ودخل إليه وجد المثرم ميتا جسدا ملفوفا في مدرعة مسجّى « 4 » بها إلى قبلته ، فإذا هناك حيّتان إحداهما بيضاء والأخرى سوداء ، وهما يدفعان عنه الأذى ، فلمّا بصرا بأبي طالب غربتا في الكهف ودخل أبو طالب إليه فقال : السلام عليك يا وليّ اللّه

--> ( 1 ) ليس في المخطوط : « فيها » . ( 2 ) زاد في المخطوط : « وهو » . ( 3 ) قال الجوهري : اللكّام ، بالتشديد ، جبل بالشام ( لسان العرب ) . ( 4 ) في المطبوع : « مستجر » والصحيح ما أثبتناه .