الفتال النيسابوري

195

روضة الواعظين وبصيرة المتعظين

قال المثرم : فما تريد أن أسأل اللّه لك أن يعطيك في مكانك ما يكون دلالة لك ؟ قال أبو طالب : أريد طعاما من الجنّة في وقتي هذا ، فدعا الراهب بذلك ، فما استتمّ دعاه حتّى اتي بطبق عليه من فواكه الجنّة رطبة وعنبة ورمّان ، فتناول أبو طالب منه رمّانة ونهض فرحا مسرورا « 1 » من ساعته ، حتّى رجع إلى منزله فأكلها ، فتحوّلت ماء في صلبه ، فجامع فاطمة بنت أسد ، فحملت بعليّ ، وارتجّت الأرض وزلزلت بهم أيّاما حتّى لقيت قريش من ذلك شدّة وفزعوا ، وقالوا : قوموا بآلهتكم إلى ذروة أبي قبيس ، حتّى نسألهم أن يسكّنوا ما نزل بكم وحلّ بساحتكم ، فلمّا اجتمعوا على ذروة جبل أبي قبيس ، فجعل يرتجّ ارتجاجا حتّى تدكدكت بهم صمّ الصخور ، وتناثرت وتساقطت الآلهة على وجهها ، فلمّا بصروا بذلك قالوا : لا طاقة لنا بما حلّ بنا . فصعد أبو طالب الجبل وهو غير مكترث بما هم فيه . فقال : يا أيّها الناس ! إن اللّه تبارك وتعالى قد أحدث في هذه الليلة حادثة ، وخلق فيها خلقا ؛ إن لم تطيعوه ، ولم تقرّوا بولايته وتشهدوا بإمامته لم يسكن ما بكم ، ولا يكون لكم بتهامة مسكنا . فقالوا : يا أبا طالب ! إنّا نقول بمقالتك ، فبكى أبو طالب ، ورفع إلى اللّه تعالى يديه وقال : إلهي وسيّدي ، أسألك بالمحمّدية المحمودة ، وبالعلويّة العالية ، والفاطميّة البيضاء إلّا تفضّلت على تهامة بالرأفة والرحمة . فوالذي فلق الحبّة وبرء النسمة ، لقد كانت العرب تكتب هذه الكلمات ، فتدعو بها عند شدائدها في الجاهلية وهي لا تعلمها ولا تعرف حقيقتها .

--> ( 1 ) ليس في المطبوع : « مسرورا » .