الشيخ الكليني

479

الكافي ( دار الحديث )

--> الضرر حاكماً على ما يدلّ على قدرة المكلّف على ما يوجب الضرر ، مثل « الناس مسلّطون على أموالهم » ممّا يدلّ على قدرة الناس . قلنا : القدر المسلّم هنا أنّ النهي يتوقّف على ملاحظة القدرة العقليّة ، كالنهي عن الزنى والسرقة ، فلا يصدر مثل قوله : « لا ضرر ولا ضرار » إلّاناظراً إلى القدرة العقليّة ، وأمّا القدرة الشرعيّة ، أعني أدلّة جواز بعض الأعمال شرعاً ، فلا دليل على كون النهي عن الضرر ناظراً إليها بعد إمكان صدور مثل هذا الكلام قبل صدور كلّ دليل شرعي ، ولا مانع من أن يقال : أدلّة القدرة مثل « الناس مسلّطون » مقدّمة على دليل نفي الضرر ؛ إذ كلاهما دليل شرعي . وقال بعضهم في معني الحكومة بأنّها ما لا يتردّد الناس في تقديم أحد الدليلين على الآخر ، كالخاصّ ؛ فإنّه حاكم على العامّ ؛ إذ لا يتردّد أحد في تقديمه عليه ، وعلى هذا فلا ريب في أنّه ليس مثل « لا ضرر » حاكماً على مثل « الناس مسلّطون على أموالهم » ؛ إذ يتردّد فيه الناس ، بلى ربّما يتردّد فيه الفقهاء المحقّقون العظام ، كما قال الشيخ المحقّق المذكور في رسالته : إنّ تصرّف المالك في ملكه إذا استلزم تضرّر جاره يجوز أم لا ؟ والمشهور الجواز إلى آخره ، وربَّما يقال : إنّ قوله : « لا ضرر ولا ضرار » حكمة لا يجوز لنا أن نخترع أحكاماً غير منقولة اعتماداً على النهي عن الضرر ، مثلًا لو لم يكن فسخ البيع مشروعاً في الغبن لم يكن لنا اختراع الفسخ فيه ؛ فدفع الضرر ، كما لا نقول بتجويز فسخ النكاح للمرأة إذا اقتضى استمراره ضرراً على المرأة ، أو على أحد أقربائها ، فيجب في كلّ مسألة يتمسّك فيها بنفي الضرر التماس دليل آخر ، ويجعل النفي مؤيّداً له . ثمّ إنّ الظاهر من كلام الشيخ المحقّق الأنصاري رحمه الله أنّ الحكومة اصطلاح له في دليلين غير قطعيّين يحتاج في تقديم أحدهما على الآخر إلى مرجّح إسنادي أو دلالي ، فيكتفى بالحكومة عن الترجيح ، وأمّا مثل النهي عن الإضرار وتسلّط الناس على أموالهم وحرمة الغصب وأمثال ذلك فأحكام ضروريّة في شرع الإسلام ثابتة لا يحتاج في أمثالها إلى ترجيح إسنادي ، وهو واضح ، ولا إلى ترجيح دلالي ؛ إذ لا نشكّ في شمولها لجميع الموارد ، ولم يخصّص أحدهما بالآخر ، فكلّ إضرار مبغوض ، وكلّ غصب حرام ، وإنّما يشكّ إذا لم يمكن في مقام العمل امتثال كلا الحكمين ، فلا نعلم أنّ الشارع أراد منّا مثلًا رعاية حقّ الجار ، أو رعاية حقّ المالك ، لا لقصور في دلالة لفظه وشمولها ، بل لتعارض المصالح وعدم إمكان الجمع بينهما ، وهذا النوع من التعارض يسمّى في عرف المتأخّرين بالتزاحم ، فهو نظير قولهم : صلّ ولا تغصب ؛ لأنّ كليهما حكم ضروري ثابت في الشرع بغير تردّد ، ولا معنى لترجيح أحدهما على الآخر من جهة السند ولا من جهة الدلالة ، وإنّما يشكّ في كون الصلاة في مكان مغصوب مبغوضة أو مطلوبة لا لضعف إسنادي أو دلالي ، بل لأمرٍ آخر ، وهو اجتماعها بسوء اختيار المكلّف ، وكذلك معارضة نفي الضرر وتسلّط الناس على أملاكهم ، ثمّ إنّ الضرر الطارئ على الإنسان بسبب التزامه بحكم الشارع ليس منفيّاً في الشريعة قطعاً ، كالمستأجر الذي يوجب انتقاله بعد مدّة الإجارة عليه ضرراً عظيماً ، والمرأة التي يكون استمرار نكاحها ضرراً عظيماً ، وغير ذلك ممّا لا يتناهى في